الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٤٠٤
.ولا شيءَ معه في دَيْمومِيتِه ، فقد بانَ لنا بإقرار العامّة مُعجِزَةُ الصفةِ أنّه لا شيءَ قبلَ اللّه ، ولا شيءَ مع اللّه في بقائه ، وبَطَلَ قولُ مَن زَعَمَ أنّه كانَ قبلَه ، أو كانَ معه شيءٌ ، وذلك أنّه لو كانَ معه شيءٌ في بقائه لم يَجُزْ أن يكونَ خالِقا له ؛ لأنّه لم يَزَلْ معه ، فكيف يكونُ خالِقا لمن لم يَزَلْ معه ، ولو كانَ قبلَه شيءٌ كانَ الأوّلَ ذلك الشيءُ لا هذا ، وكانَ الأوَّلُ أولى بأن يكونَ خالِقا للأوَّل . ثمَّ وَصَفَ نفسَه ـ تبارك وتعالى ـ بأسماءٍ دَعا الخَلْقَ إذ خَلَقَهم وتَعَبَّدَهم
لكون كلّ شيء مخلوقا له؛ لأنّ كلّ شيء سواه ممكن، وكلّ ممكن إنّما يوجَد بايجاب خالق له يخرجه من العدم إلى الوجود، وينتهي لا محالة إلى الواجب . أو نقول: لايصحّ الإيجاب إلاّ من الواجب لذاته، والمخلوق متأخّر الوجود عن مبدئه، ووجود المعلول كما هو متأخّر بالحدوث عن وجود الخالق متأخّر بالبقاء عنه؛ لأنّ نفس وجود المعلول صادر عن العلّة، والحدوثَ والبقاءَ من أحواله اللاحقة به، وهذا معنى قوله: (وذلك أنّه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقا له لأنّه لم يزل معه [١] ولو كان قبله شيء كان الأوّل ذلك الشيء لا هذا، وكان الأوّل) أي ما فرض أنّه قبله (أولى بأن يكون خالقا للأوّل) أي الواجب الوجود السرمدي. وأمّا قوله: (فقد بان لنا بإقرار العامّة معجزة الصفة) فبيان لخالقيّته لكلّ شيء بما يناسب أفهام العامّة من أنّ إقرار العامّة ـ أي كلِّ الناس ـ بأنّه سبحانه خالق كلّ شيء ، وأنّه لم يسعهم إنكاره كما قال سبحانه « وَ لَـلـءِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » [٢] يدلّ على خالقيّته لكلّ شيء، وأنّ مقدّمات بيانها ظاهرة لا يضرّها تشكيك المشكّكين، وإذا كان خالقا لكلّ شيء، فلا شيء قبله ولا شيء معه. واكتفى بهذا عن تفصيل بيانها؛ لغَناء العلماء عن التفصيل، وعدمِ انتفاع العوامّ والمبتدئين بالتفصيل، بل ربما ينفتح لهم به أبواب الشُبه والشكوك التي لا يسع الوقتُ لرفعها وإزالتها.
[١] في الكافي المطبوع: + «فكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه».[٢] الزخرف (٤٣): ٨٧ .