الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٢٣٨
.هِشامُ بن الحَكَم : كانَ بمصرَ زنديقٌ تَبْلُغُه عن أبي عبداللّه عليه السلام أشياءُ ، فخَرَجَ إلى المدينة ليُناظِرَه ، فلم يصادِفْه بها ، وقيل له : إنّه خارجٌ بمكّةَ ، فَخرَجَ إلى مكّةَ ونحن مع أبي عبداللّه ، فصادَفَنا ونحن مع أبي عبداللّه عليه السلام في الطواف ، وكان اسمه «عبد الملِك» و كنيته «أبو عبداللّه » فضرب كَتِفَه كَتِفَ أبي عبداللّه عليه السلام ، فقال له أبو عبداللّه عليه السلام : «ما اسمُكَ؟» فقال: اسمي عبدُ الملِك ، قال : «فما كنيتُك؟» قال: كنيتي أبو عبداللّه ، فقال له أبو عبداللّه عليه السلام : «فمَن هذا الملِكُ الذي أنت عبدُه؟ أمِنْ ملوكِ الأرض ، أم من ملوكِ السماء؟ وأخبِرْني عن ابْنِكَ ، عَبْدُ إله السماء ، أم عَبْدُ إله الأرض؟ قل : ما شئتَ تُخْصَمْ» . قال هشامُ بن الحكم : فقلت للزنديق : أما تَرُدُّ عليه ، قال : فقَبَّحَ قولي . فقال أبو عبداللّه : «إذا فرَغْت من الطواف فَأتِنا» . فلمّا فَرَغَ أبو عبداللّه أتاهُ الزنديقُ ، فقَعَدَ بين يدي أبي عبداللّه و نحن مجتمعون عنده ، فقال أبو عبداللّه عليه السلام للزنديق : «أتَعلَمُ أنَّ للأرض تحتا وفوقا؟» قال : نعم ، قال : «فدَخَلْتَ تحتها؟» قال : لا ، قال : «فما يُدريكَ
ولمّا كان هذا الخروج في الحوادث الزمانيّة ظاهرا لا يحتاج إلى مؤونة بيان ، ولم يكن للمجادل سبيل إلى إنكاره، أخذ يستدلّ بها على الاحتياج إلى المحدث ووجوده، ويتمّم [١] مطلوبه من التوحيد بما يبيّنه ، كما سيظهر [٢] عند تقرير الدلائل . قوله: (أتعلم أنّ للأرض تحتا وفوقا...؟) ابتدأ عليه السلام بإزالة إنكار الخصم، وإخراجه من مرتبة الإنكار إلى مرتبة الشكّ؛ ليستعدّ نفسه للإقبال على الحقّ وقبول ما جُبلت العقول السليمة على قبولها والإذعانِ بها؛ فإنّ الأسباب الفاعليّة والشروطَ الخارجيّة لا تغني عن [٣] سلامة القابل واستعداده للتحلّي بكماله القابل له، والإنكارُ من الآفات المانعة عن إدراك الحقّ على ما هو عليه في نفس الأمر، فأزال إنكاره بأنّه غير عالم بما في الأرض تحتها، وليس له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شيء.
[١] في «ل» : «يتمّ» .[٢] في «ت» : «يظهر» .[٣] في «خ» : «من» .