الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٢٢٤
.في حلالنا وحرامنا وعَرَفَ أحكامَنا ، فَلْيَرْضَوْا به حَكَما ، فإنّي قد جعلتُه عليكم حاكما ،
وفي قوله: (وعرف أحكامنا) دلالة إلى بلوغه مرتبةَ معرفةِ جميع الأحكام، أو القدر المعتدّ به بحسب الوسع معرفةً بالفعل، أو بالقوّة القريبة منه بحيث يصحّ إطلاق المعرفة عليه . وتلك المعرفة تحصل بعد الفطنة القويمة والعلمِ بأساليب الكلام بممارسته ملاحظة الأحاديث، ونهج بيانهم للأحكام، وملازمة العلماء ذوي البصائر [١] والاستمداد منهم . وقد سعى السلف في جمع ما يستمدّ به في معرفة أساليب الكلام و معانيها وترجيح الأخبار و جمعها ، شكر اللّه مساعيَهم وجزاهم أحسنَ الجزاء، ولكن لا يغني ما أتوا به من تلك الممارسة والملازمة، فلا يعتمد قبلهما على تحدّسه بالمراد، وإذا حصل له تلك المعرفة اطّلع من جانب اللّه بإلهام وإعلام على جواز عمله بما يفهمه من الروايات؛ ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . وأمّا القاصرون من المزاولين لأقوال الفقهاء، المكابرين مع العلماء، الممارين للسفهاء، فيضلّون عن السبيل بادّعاء ما ليس لهم والدخول فيما حُظر عليهم، ولا ينتفعون بمساعيهم، فما هم إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء، وليس ببالغٍ فاه، ويضلّون الناس، ويحسبون أنّهم يحسنون صنعا ، أعاذنا من فتنتهم والتصنّع بصنعتهم، وهدانا اللّه إلى اتّباع المهتدين من عباده الهادين إلى سبيل الرشاد . قوله: (فإنّي قد جعلته عليكم حاكما) أي قد صيّرته حاكما عليكم، أو قد وصفته بكونه حاكما عليكم، وحكمت بذلك، وسمّيته بالحاكم . يقال: جعل فلان زيدا أعلمَ الناس : إذا وصفه بذلك وحكم به . ومنه قوله تعالى: «وَ جَعَلُواْ الْمَلَـلـءِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَـدُ الرَّحْمَـنِ إِنَـثًا» [٢] أي وصفوهم بذلك، وحكموا بكونهم إناثا .
[١] في «خ» : «الأبصار» .[٢] الزخرف (٤٣) : ١٩ .