الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ١٥٤
.وقال عليه السلام : «أوحى اللّه ُ إلى داودَ عليه السلام : لا تجعَلْ بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا ، فيَصُدَّك عن طريق محبّتي ، فإنَّ اُولئك قُطّاعُ طريقِ عبادي المريدين ، إنَّ أدنى ما أنا صانِعٌ بهم
أحبّ» ولم يقل: «يحوطه» ومن المعلوم أنّ حفظ الدنيا و تعهّدها لا يجامع إظهار الحقّ والعمل به غالبا، فمن يحوطها يميل إلى الباطل كثيرا، فكلّ قول وفعل منه مظنّةُ كونه من الكثير الغالب، فينبغي أن يتّهمه العاقل ويُسيء الظنّ به، ولا يأتمنه على دينه، ولايعتمد عليه في أخذ العلوم الدينية. قوله: (لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا) أي لا تجعل المفتون بالدنيا أي المُعْجَبَ بها بين اللّه و بينك وسيلةً إلى حصول معرفة اللّه ومعرفة دينه وشريعته التي شرعها لعباده (فيصدّك) و يمنعك (عن طريق محبّتي) بالترغيب إلى الدنيا و تهييج الشهوة إلى طلبها و تشييد محبّتها في القلب. [١] وقوله: (فإنّ أُولئك قطّاع [٢] طريق عبادي المريدين) لأنّهم يُميلون الناس من الرغبة إلى اللّه وإلى الآخرة إلى الرغبة في الدنيا وأسبابها، أو لأنّهم بإراءتهم للناس أنّهم علماءُ أمالوا الناس من طلب العالِم الربّاني إلى الرجوع إليهم والأخذ عنهم، فأضلّوهم عن السبيل إليه . وقوله: (أدنى ما أنا صانع بهم) أي أقلّ ما أجزيهم بكونهم مفتونين بالدنيا، وذلك لمَن فيه أقلُّ مراتب الافتتان، وهو المتحرّز عن تناولها، لا من حلّها مع حبّه
[١] في حاشية «م» : «أُولئك» إشارة إلى الجماعة؛ لأنّ المراد بقوله «عالما» الاستغراق؛ لأنّه نكرة في سياق النهي، وهو كالنفي في معنى الجمع .[٢] في حاشية «م» : قوله عليه السلام : «قطّاع ...» يحتمل أن يكون قطع الطريق بمعنى أنّ الناس إذا رأوهم على علمهم حريصين على الدنيا، متهالكين، كان ذلك سببا لحرص الناس؛ من حيث توهّمهم أنّ علمه اقتضى حبّ الدنيا، ودَلَّه عليه. فمن أراد الوصول يتوهّم أنّ مثل هذا الطريق موصل . أو يقولون: إذا كان هذا كذلك مع علمه، فنحن أولى بالحرص؛ فيكون هذا باعثا على ترك العلم و العمل. و قريب من احتمال أنّه إذا أحبّ الدنيا كان سلوكه مع الناس بمقتضى طباعهم وميلهم، والناس عبيد الدنيا واُسارى الشهوات، وأُمور الآخرة شاقّة، بحرصه يبعثه على المساهلة وتسويغ ما لا يجوز، فمن يريد الوصول يجعل هذا العالم بينه وبين ما يريد أوّلاً؛ فهو قاطع طريقه.