الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ١١٣
٣.عدّةٌ من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد البرقيّ ، عن «قال أميرالمؤمنين عليه السلام : ألا اُخبِرُكم بالفقيه حقّ الفقيه؟ من لم يُقَنِّطِ الناسَ من رحمة اللّه ، ولم يُؤمِنْهم من عذاب اللّه ، ولم يُرخّصْ لهم
المعنى الحقيقُ بذلك الاسم له خشية من ربّه ليست لغيره، وهذه الخشية تؤدّيه إلى الإطاعة والانقياد قولاً وفعلاً؛ فإنّ الجرأة على العصيان لا تجامع الخشية الحقيقيّة . قوله: (ألا أُخبركم [١] بالفقيه حقّ الفقيه) أي حقيقة الفقيه . و «حقّ الفقيه» بدل عن «الفقيه» وما بعده خبرُ مبتدأ محذوف ، أي هو (مَن لم يقنّط الناس). ويحتمل أن يكون «حقّ الفقيه» مبتدأً وما بعده خبره، والمراد أنّ الفقيه حقيقة ليس إلاّ من هو عالم بالمراد بما ورد في الوعيد والوعد والعفو بملاحظة بعضها مع الآخر حتّى يتبيّن له المراد، ومن يقتصر على ملاحظة البعض دون الباقي ويعتمد على ما يفهمه بتلك الملاحظة فيؤدّيه إلى أن يقنّط الناس من رحمة اللّه ، أو يؤمنهم من عذاب اللّه ، أو يرخّص لهم في معاصي اللّه ، فبمجرّد علمه بالمسائل الشرعيّة الفروعية لا يكون فقيها، وكذا حقيقة الفقيه لا يكون إلاّ لمن أخذ بكتاب اللّه و تفكّر فيه ولم يرغب عنه [٢] إلى غيره؛ فإنّ التارك لكتاب اللّه لا يكون فقيها وإن كان حافظا للأحاديث، ضابطا لها؛ فإنّ معرفة الأحاديث وفهمها لا تتمّ إلاّ بمعرفة كتاب اللّه والتفكّر فيه . وأمّا من ترك التفكّر في كتاب اللّه ، ثمّ قاس على الأحاديث، فعدوله عن الحقّ أكثر .
[١] في حاشية «م»: «ألا اُخبركم» بهمزة الاستفهام و «لا» النافية. ففي الكلام حذف بعد تمام الجملة الاستفهامية، أي «قالوا: بلى». ويحتمل أن يكون حرف تنبيه، فلا حذف .[٢] في حاشية «م» : يحتمل أن يكون فائدة قوله عليه السلام «رغبة عنه إلى غيره» احترازا عمّا لو ترك القرآن، لا رغبة عنه إلى غيره، بل لاحتياجه إلى الغير ورغبته فيه لذلك . والرغبة في الغير أعمّ من الرغبة عن القرآن . ولعلّ هذا أوجه وأنسب، وهو ينطبق على ترك التلاوة في الجملة بشغل غيرها يجب عليه الاشتغال به، أو يجوز الرغبة فيه، وعلى ترك الأحكام التي لا يمكن تحصيلها. وقد ينطبق على ترك التعلّم. وفيه ما مرّ، واللّه تعالى أعلم .