مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٢ - الفطرة في الأحاديث
فهذه الآية تؤيد ما ذهب إليه علماء النفس من خلو صفحة النفس من المعلومات في بدء تكونها ، بلا فرق بين العلوم الفطرية وغيرها.
والجواب عن هذا واضح بعد الوقوف على مقدمة وهي : انّ التصورات والتصديقات إمّا كسبية أو بديهية ، والكسبية إنّما يمكن تحصيلها بواسطة تركيب البديهيات فلابد من سبق هذه العلوم البديهية.
أمّا العلوم البديهية فلم تكن حاصلة في نفوسنا ، بل حصلت هي أيضاً بمعونة الحواس كالسمع والبصر ، فالطفل إذا أبصر أو سمع شيئاً مرّة بعد أُخرى ارتسمت ـ في ذهنه ـ ماهيّة ذلك المبصر أو المسموع ، وكذا القول في بقية الحواس.
فالمدركات على قسمين : ما يكون نفس حضورها موجباً تاماً في جزم الذهن باسناد بعضها إلى بعض كما إذا حضر في الذهن إنّ الواحد ما هو ؟ وانّ نصف الاثنين ما هو ؟ كان حضور هذين التصوّرين في الذهن علّة تامة في جزم الذهن بأنّ الواحد محكوم عليه بأنّه نصف الاثنين وهذا القسم هو عين العلوم البديهية.
والقسم الثاني ما لا يكون كذلك ، وهو العلوم النظرية ، مثلما إذا أُحضر في الذهن انّ الجسم ما هو ؟ وإنّ المحدث ما هو ؟ فإنّ مجرد هذين التصوّرين لا يكفي في جزم الذهن بأنّ الجسم محدث بل لابد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة.
وهذا هو الملاك في تقسيم العلوم إلى بديهية وكسبية [١].
والآية ناظرة إلى العلوم الحصولية التي تنقسم إلى البديهي والنظري لا العلوم الحضورية مثل علم النفس بذاتها ، ولا العلوم الفطرية التي ليس لها إلاّ قوة العلم
[١] راجع مفاتيح الغيب للرازي : ٥ / ٣٤٩.