مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤٠ - دوافع الشرك في العبادة
التوحيد الذي بعث الأنبياء والرسول الأعظم خاصة من أجل إقراره ونشره في المجتمع الإنساني ، بل يجب ـ علاوة على التوحيد الربوبي ـ أن يفرد الله بالعبادة ولا يشرك به أحد ، لأنّ مشركي العرب مع أنّهم كانوا يوحدون خالق الكون ويعتقدون بأنّه واحد لا أكثر ، فإنّ القرآن كان يعتبرهم مشركين ، إذ يقول :
( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) [١]. [٢]
ولا كلام في هذا المطلب ، وليس من المسلمين أحد يتحلّى بالواقعية ينكر عدم كفاية التوحيد الربوبي وحده ، بل للتوحيد ـ كما أسلفنا ـ مراحل أربع وإن اقتصر الوهابيون على مرحلتين منها ونسوا أو تناسوا المرحلتين الأُخريين.
غير أنّ الجدير بالذكر هو : انّه لا يختلف أحد مع هؤلاء في هذه المسألة الكلية ، فالجميع متفقون على وجوب الاجتناب عن عبادة غير الله ، ولكن المهم هو أنّ الوهابيين يتصورن أنّ تعظيم الأنبياء ، وأولياء الله ـ مثلاً ـ عبادة ، في حين أنّ بين التعظيم والعبادة ـ في نظر الآخرين ـ بوناً شاسعاً وفرقاً كبيراً.
وبعبارة أُخرى : ليس بين المسلمين خلاف في هذا الأصل الكلي ، وهو عدم جواز عبادة غير الله أبداً ، وإنّما الخلاف هو في نظر الفرقة الوهابية إلى بعض الأعمال ـ كالزيارة مثلاً ـ حيث اعتبرتها عبادة ، في حين لا تكون هذه الأعمال عبادة في نظر الآخرين.
[١] يوسف : ١٠٦.
[٢] فتح المجيد تأليف الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ( المتوفّى عام ١٢٨٥ ه ) ص ١٢ و ٢٠ ، وهذا الأمر يدرّس الآن في المناهج الدراسية عندهم ، ويؤكدون على هذين النوعين من التوحيد ثم يتهمون المسلمين بأنّهم موحدون ربوبياً لا الوهياً.
وقد عرفت في ما مضى أنّ تسمية التوحيد في الخالقية بالتوحيد الربوبي ، وتسمية التوحيد في العبادة بالتوحيد الالوهي خطأ من حيث اللغة ومصطلح القرآن فلاحظ الصفحة ٤٣١.