مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٠ - النظرية الثانية
قوله تعالى : ( شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) [١] ونحن نعلم أنّ الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم وإنّما لما ظهر منهم ظهوراً لا يتمكنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به ومثل هذا قولهم :
« جوارحي تشهد بنعمتك وحالي معترفة بإحسانك » [٢].
ثم إنّ سيدنا الحجة شرف الدين ممن ذهب إلى هذا المذهب إذ قال رحمهالله :
« واذكر يا محمد للناس ما قد وثقوا الله عليه بلسان حالهم التكويني من الإيمان بالله والشهادة له بالربوبية وذلك ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) أي حيث أخذ ربك جل سلطانه ( مِن بَنِي آدَمَ ) أي ( مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) فأخرجها من أصلاب آبائهم نطفاً ، فجعلها في قرار مكين من أرحام أُمهاتهم ثم جعل النطف علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأ كلاً منهم خلقاً سوياً قوياً في أحسن تقويم سميعاً بصيراً ناطقاً عاقلاً مفكّراً مدبّراً عالماً عاملاً كاملاً ذا حواس ومشاعر وأعضاء أدهشت الحكماء ، وذا مواهب عظيمة وبصائر نيرة تميّز بين الصحيح والفاسد والحسن والقبيح وتفرق بين الحق والباطل فيدرك بها آلاء الله في ملكوته وآيات صنعه جل وعلا في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ... وبذلك وجب أن يكونوا على بيّنة قاطعة بربوبيته ، مانعة عن الجحود بوحدانيته فكأنّه تبارك وتعالى إذ خلقهم على هذه الكيفية قررهم ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ) فقال لهم : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) وكأنّهم ( قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ) على أنفسنا لك بالربوبية .. نزولاً على ما قد حكمت به عقولنا وجزمت به بصائرنا حيث ظهر
[١] التوبة : ١٧.
[٢] الأمالي : ١ / ٣٠.