مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٧ - النظرية الثانية
وبعبارة ـ ثالثة ـ : فإنّ الله أخرج أبناء الإنسان من ظهور آبائهم إلى بطون أُمهاتهم وقد جعل تكوينهم بنحو خاص بحيث يعرفون ربهم دائماً ، ويحسّون باحتياجهم إليه تعالى.
وعندما يحس الإنسان باحتياجه إلى الله ، ويجد نفسه غارقاً في التوجه إليه سبحانه فساعتئذ يكون وكأنّه يقال له : ألست بربكم ؟ فيقول البشر : بلى أنت ربي [١].
خلاصة القول : إنّ الإنسان خلق مؤمناً بالله بمقتضى الفطرة الإلهية السليمة الموهوبة له ، وسيظل بمعونة العقل الهادي إلى الله يبحث عن الله ويطلبه ويسأل عنه ، ويظل يواصل هذه المسيرة ما لم يعقه عائق ولم يمنعه مانع.
وعلى هذا فإنّ الميثاق المذكور في الآية لم يكن ميثاقاً تشريعياً وعلى نحو الخطاب والجواب اللفظيين ، بل هو ميثاق تكويني فطري ، وجوابه ـ كذلك ـ تكويني فطري.
على أنّ مثل هذا النوع من الحوار والاستيثاق شائع جداً في القرآن الكريم وكذا في محاوراتنا اليومية.
ففي المثال يقال : إنّ الله أعطانا البصر وأخذ منّا الميثاق بأن لا نسقط في البئر.
أو كما يقال : إنّ الله أعطانا العقل وأخذ منّا العهد بأن نميّز به الحق عن
[١] راجع لمعرفة هذه النظرية : الميزان : ٨ / ٣٣٣ طبع طهران ، وتفسير الفخر الرازي : ٤ / ٣٢٢ ومجمع البيان : ٤ / ٤٩٨ ، طبع صيدا ، وفي ظلال القرآن : ٩ / ٥٨ ـ ٥٩ ، وقد جعل الأخير وقت استقرار الخلية البشرية في رحم الأُمّ موعد ذلك الميثاق.