مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤٦ - هل العبادة هي مطلق الخضوع ؟
له ، وعبَّر القرآن ـ في كل هذه الموارد ـ بلفظ السجود ليوسف.
ومن هذا البيان يستفاد ـ جلياً ـ أنّ مجرد السجود لأحد بما هو هو مع قطع النظر عن الضمائم والدوافع ليس عبادة ، والسجود كما نعلم هو غاية الخضوع والتذلّل.
٣. يأمر الله تعالى بالخضوع أمام الوالدين وخفض الجناح لهم ، الذي هو كناية عن الخضوع الشديد ، إذ يقول :
( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) [١].
ومع ذلك لا يكون هذا الخفض : عبادة.
٤. إنّ جميع المسلمين يطوفون ـ في مناسك الحج ـ بالبيت الذي لا يكون إلاّ حجراً وطيناً ، ويسعون بين الصفا والمروة وقد أمر القرآن الكريم بذلك ، حيث قال :
( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ ) [٢].
( إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) [٣].
فهل ترى يكون الطواف بالتراب والحجر والجبل [٤] عبادة لهذه الأشياء ؟
[١] الإسراء : ٢٤.
[٢] الحج : ٢٩.
[٣] البقرة : ١٥٨.
[٤] المسلمون كلهم يستلمون الحجر الأسود ـ في الحج ـ واستلام الحجر الأسود من مستحبات الحج ، وهذا العمل يشبه من حيث الصورة ( لا من حيث الواقعية ) أعمال المشركين تجاه أصنامهم في حين انّ هذا العمل يعد في صورة شركاً ، وفي أُخرى لا يعد شركاً بل يكون معدوداً من أعمال الموحدين المؤمنين ، وهذا يؤيد ما ذكرناه آنفاً من أنّ الملاك هو النيات والضمائر لا الصور والظواهر وإلاّ فهذه الأعمال بصورها الظاهرية لا تفترق عن أعمال الوثنيين.