مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤٣ - هل العبادة هي مطلق الخضوع ؟
قلناه ، لأنّ ذلك يذلّه ويخفض منه. والمعبد : الذلول ، يوصف به البعير أيضاً.
ومن الباب : الطريق المعبد ، وهو المسلوك المذلّل.
بيد أنّ العبادة وإن فسروها بالطاعة والخضوع والتذلل ، أو إظهار نهاية التذلّل ، لكن جميع هذه التعاريف ما هي إلاّ نوع من التعريف بالمعنى الأعم ، لأنّ الطاعة والخضوع وإظهار التذلّل ليست ـ على وجه الإطلاق ـ عبادة ، لأنّ خضوع الولد أمام والده ، والتلميذ أمام أُستاذه ، والجندي أمام قائده ، لا يعد عبادة مطلقاً مهما بالغوا في الخضوع والتذلّل ، وتدل الآيات ـ بوضوح ـ على أنّ غاية الخضوع والتذلّل ، فضلاً عن كون مطلق الخضوع ، ليست عبادة ، ودونك تلك الآيات :
سجود الملائكة لآدم الذي هو من أعلى مظاهر الخضوع حيث قال سبحانه :
( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ) [١].
فالآية تدل على أنّ آدم وقع مسجوداً للملائكة ، ولم يحسب سجودهم شركاً وعبادة لغير الله ، ولم تصر الملائكة بذلك العمل مشركة ، ولم يجعلوا بعملهم نداً لله وشريكاً في المعبودية ، بل كان عملهم تعظيماً لآدم وتكريماً لشأنه.
وهذا هو نفسه خير دليل على أنّه ليس كل تعظيم أمام غير الله عبادة له ، وأنّ جملة : ( اسْجُدُوا لآدَمَ ) وإن كانت متحدة مع جملة : ( اسْجُدُوا للهِ ) إلاّ أنّ الأوّل لا يعد أمراً بعبادة غيره سبحانه ويعد الثاني أمراً بعبادة الله [٢].
ويمكن أن يتصور ـ في هذا المقام ـ أنَّ معنى السجود لآدم ـ في هذه الآية ـ
[١] البقرة : ٣٤.
[٢] وهذا يدل على أنّ الاعتبار إنّما هو بالنيات والضمائر لا بالصور والظواهر.