مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١٠ - وحدة المدبِّر في العالم
الآثار إلى أسبابها الطبيعية دون أن تمنع خالقية الله من ذلك ، ولأجل ذلك يكون ما تقوم به هذه الموجودات فعلاً لله في حين كونها فعلاً لنفس الموجودات غاية ما في الأمر أنّ نسبة هذه الأُمور إلى الموجود الطبيعي نفسه إشارة إلى الجانب « المباشري » ، فيما يكون نسبتها إلى « الله » إشارة إلى الجانب « التسبيبي ».
ويشير القرآن إلى كلا هاتين النسبتين في قوله سبحانه :
( وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَىٰ ) [١].
ففي حين يصف النبي الأعظم بالرمي ، إذ يقول بصراحة ( إذْ رَمَيْتَ ) نجده يصف الله بأنّه هو الرامي الحقيقي ، وذلك لأنّ النبي إنّما قام بما قام بالقدرة التي منحها الله له ، فيكون فعله فعلاً لله أيضاً ، بل يمكن أن يقال : إنّ انتساب الفعل إلى الله ( الذي منه وجود العبد وقوته وقدرته ) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد بحيث ينبغي أن يعتبر الفعل فعلاً لله لا غير ، ولكن شدة الانتساب هذه لا تكون سبباً لأن يكون الله مسؤولاً عن أفعال عباده ، إذ صحيح أنّ المقدمات الأوّلية للظاهرة مرتبطة بالله وناشئة منه إلاّ أنّه لما كان الجزء الأخير من العلة التامة هو إرادة الإنسان ومشيئته بحيث لولاها لما تحقّقت الظاهرة يعد هو مسؤولاً عن الفعل.
وحدة المدبِّر في العالمإنّ القرآن استدل على وحدة المدبِّر في العالم ببرهان ذي شقوق ، وقد جاء البرهان ضمن آيتين تتكفل كل واحدة منهما بيان بعض الشقوق من البرهان ، وإليك الآيتين :
[١] الأنفال : ١٧.