مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠٤ - ما معنى المدبِّرات في القرآن ؟
فإذا كانت الظواهر الطبيعية وليدة عللها التي هي الموجدة والمدبِّرة لهذه الظواهر بنحو من الأنحاء ، فكيف ينسجم هذا مع حصر المدبّرية المطلقة في الله تعالى ؟
فإنّ التدبير الطبيعي عبارة عن تكفّل شيء لشيء آخر ، فإنّ كل علة في هذا النظام الكوني متكفّلة لوجود معلولها وسبب لاستمرار بقائه ودوامه ، وبمقتضى ذلك تكون كل علة مدبّراً ، وعند ذلك فكيف ينحصر التدبير في الله سبحانه ؟
مضافاً إلى أنّ القرآن الكريم يعترف بسلسلة من المدبِّرات ويقول :
( فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ) [١].
( وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ) [٢].
ولا شك أنّ هؤلاء الحفظة لو كانوا يراقبون البشر ويحفظونه من الشرور والأخطار ، فإنّ من الحتمي أن يعدوا مدبِّرين له بنحو ما ؟
الجواب
قد سبق منّا ـ عند البحث عن التوحيد في الخالقية ـ أنّ التوحيد في الأفعال ليس بمعنى تعطيل فاعلية الأسباب والعلل وإحلال الله تعالى محلها للتأثير في الظواهر مباشرة ، لأنّ هذا عين ما اختارته الأشاعرة ، الذي أبطلناه.
بل التوحيد في الأفعال ـ سواء أكان في الخالقية أم في التدبير ـ إنّما هو
[١] النازعات : ٥.
[٢] الأنعام : ٦١.