مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٩ - التوحيد في الخالقية من شعب التوحيد الافعالي
أعطى لأحد سيفاً مع علمه بأنّه يقتل به نفساً ، فالقتل إذا صدر منه لا يكون مستنداً إلى المعطي بوجه ، فإنّه حين صدوره يكون أجنبياً عنه بالكلية غاية الأمر أنّه هيّأ بإعطائه السيف مقدمة إعدادية من مقدمات القتل ، وهذا واقع التفويض.
كما أنّه لو شد آلة جارحة بيد الإنسان المرتعش بغير اختيار ، فأصابت الآلة من جهة الارتعاش نفساً فجرحته ، فالجرح لا يكون صادراً من ذاك الإنسان المرتعش ، بإرادته واختياره ، بل هو مقهور عليه في صدوره منه ، وهذا واقع الجبر وحقيقته.
وإذا فرضنا أنّ يد الإنسان مشلولة لا يتمكّن من تحريكها إلاّ مع إيصال الحرارة إليها بالقوة الكهربائية ، فأوصل رجل القوة إليها بواسطة سلك يكون أحد طرفيه بيد المولى ، فاختار ذلك الإنسان قتل نفس والموصل يعلم بذلك ، فالفعل بما انّه صادر من الإنسان المشلول باختياره يعد فعلاً له ، وبما أنّ السلك بيد الموصل وهو الذي يعطي القوة للعبد آناً فآناً فالفعل مستند إليه ، وكل من الإسنادين حقيقي من دون أن يكون هناك تكلّف أو عناية ، وهذا هو واقع الأمر بين الأمرين ، فالأفعال الصادرة من المخلوقين بما أنَّها تصدر منهم بالإرادة والاختيار ، فهم مختارون في أفعالهم ; وبما أنّ فيض الوجود والقدرة والشعور من مبادئ الفعل يجري عليهم من قبل الله تعالى آناً فآناً ، فأفعالهم منتسبة إلى خالقهم [١].
إنّ هناك طائفة من الآيات القرآنية تبيّن هذه الحقيقة بنحو آخر وهو أنّه ليس الله تعالى خلق الأشياء فقط ، بل هو الذي قدر تأثير كل شيء وخلق له
[١] أجود التقريرات : ١ / ٩٠.