مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٦ - القرآن وسريان الشعور في الجمادات
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ ) [١].
غير أنّ طائفة من المفسرين فسّروا هذه الآية ونظائرها بالمعاني المجازية ، وبأنّ كل هذا الذي يخبر عنه القرآن تم بلسان الحال ، بمعنى أنّها أبين وأشفقن عن تحمّل الأمانة المعروضة عليها ، بلسان حالها ، لا بلسان مقالها الكاشف عن الشعور في حين أنّ هذا التفسير والحمل ضرب من اتخاذ المواقف قبل البحث والدرس وهو أمر لا مبرر له ، إذ لا دليل على حمل مثل هذه الآيات على غير ظاهرها ، وتأويل هذه الحقيقة ـ التي يتحدّث عنها القرآن بصراحة ـ بمعان مجازية ، ومحامل لم يقم عليها دليل.
على أنّ عدم توصل العلم إلى هذه الحقيقة ، أعني : وجود الشعور عند عامّة الموجودات لا يكون دليلاً ـ أبداً ـ على عدم وجود هذا الشعور عند هذه الكائنات ، لأنّ وظيفة العلم إنّما هي الإثبات فقط ، وليس للعلم حق « النفي » والسلب ، والإنكار.
إنّ العلم لم يبلغ تلك المرحلة من المعرفة ، والإحاطة بحقائق الكون ، إحاطة يمكنه معها أن ينكر ما لا يعرف وجوده أو عدمه [٢].
وفي موضع آخر يقول القرآن في هذا الصدد :
[١] الأحزاب : ٧٢.
[٢] وهذه إحدى الفروق بين العلم والفلسفة فإنّ للثانية حق النفي والإثبات وليس للأوّل ذلك الحق ، لأنّ الوسائل التي يتوسل بها العلم للتحقيق أقصر من أن يتوسل بها إلى الإحاطة بجميع الموجودات ، وهذا بخلاف الفلسفة فإنّها تجعل صفحة الوجود مسرحاً لنقاشها ونفيها ، وإثباتها وللبحث عن الفرق الكامل بين العلم والفلسفة موضع آخر.