مطلع انوار - حسینی طهرانی، سیّد محمّد حسین - الصفحة ٣٩٠ - نامه أمیرالمؤمنین علیه السّلام به عثمان بن حنیف
أعینُونی بوَرَعٍ و اجْتِهادٍ و عِفّةٍ و سَدادٍ! فوَاللَهِ ما کَنَزتُ مِن دُنیاکُم تِبرًا و لا ادَّخَرتُ مِن غَنائمِها وَفرًا و لا أعدَدتُ لِبالی ثَوبی طِمرًا [و لا حُزتُ مِن أرضِها شِبرًا، و لا أخَذتُ مِنهُ إلّا کَقُوتِ أتانٍ دَبِرَةٍ و لَهیَ فی عَینی أوهَی و أوهَنُ مِن عَفصَةٍ مَقِرَةٍ!]
بلَی! کانَت فی أیدِینا فَدَکٌ مِن کُلِّ ما أظَلَّتهُ السّماءُ، فشَحَّتْ علَیها نُفوسُ قَومٍ و سَخَتْ عَنها نُفوسُ قَومٍ آخَرینَ و نِعمَ الحَکَمُ اللَهُ. و ما أصنَعُ بفَدَکٍ و غَیرِ فَدَکٍ، و النّفسُ مَظانُّها فی غَدٍ جَدَثٌ تَنقَطِعُ فی ظُلمَتِه آثارُها و تَغیبُ أخبارُها، و حُفرَةٌ لَو زِیدَ فی فُسحَتِها و أوسَعَتْ یَدا حافِرِها لأضغَطَها الحَجَرُ و المَدَرُ و سَدَّ فُرَجَها التُّرابُ المُتَراکِمُ؛ و إنّما هیَ نَفسی أرُوضُها بالتَّقوَی لِتَأْتِیَ آمِنَةً یَومَ الخَوفِ الأکبَرِ و تَثبُتَ علَی جَوانِبِ المَزلَقِ.
و لَو شِئتُ لاهتَدَیتُ الطّریقَ إلی مُصَفّی هَذا العَسَلِ و لُبابِ هَذا القَمحِ و نَسائجِ هَذا القَزِّ؛ ولکِنْ هَیهاتَ أن یَغلِبَنی هَوایَ و یَقودَنی جَشَعِی إلی تَخَیُّرِ الأطعِمَةِ و لَعَلّ بالحِجازِ أو الیَمامَةِ مَن لا طَمَعَ لَهُ فی القُرصِ و لا عَهدَ لَهُ بالشِّبَعِ، أو أبیتَ مِبطانًا و حَولِی بُطونٌ غَرثَی و أکبادٌ حَرَّی، أو أکونَ کَما قالَ القائلُ:
|
و حَسبُکَ داءً أن تَبیتَ ببِطنَةٍ |
و حَولَکَ أکبادٌ تَحِنُّ إلی القِدِّ |
أ أقنَعُ مِن نَفسی بأن یُقالَ: هَذا أمیرُالمُؤمِنینَ و لا اُشارِکُهُم فی مَکارِهِ الدّهرِ أو أکونُ اُسوَةً لَهُم فی جُشوبَةِ العَیشِ!
فَما خُلِقتُ لیَشغَلَنی أکلُ الطَّیِّباتِ کالبَهیمَةِ المَربوطَةِ هَمُّها عَلَفُها، أوِ المُرسَلَةِ شُغُلُها تَقَمُّمُها تَکتَرِشُ مِن أعلافِها و تَلهُو عَمّا یُرادُ بِها، أو أُترَکَ سُدًی، أو أُهمَلَ عابِثًا، أو أجُرَّ حَبلَ الضَّلالَةِ، أو أعتَسِفَ طَریقَ المَتاهَةِ.
و کأنّی بِقائلِکُم یَقولُ: إذا کانَ هَذا قُوتُ ابنِ أبیطالِبٍ فقَد قَعَدَ بِه الضَّعفُ عَن