مطلع انوار - حسینی طهرانی، سیّد محمّد حسین - الصفحة ١٤١ - کلام أمیرالمؤمنین علیه السّلام پیرامون ذکر
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...):[١]
”إنّ اللَهَ سُبحانَهُ [و تَعالَی] جَعَلَ الذِّکرَ جَلاءً لِلقُلوبِ، تَسمَعُ بِه بَعدَ الوَقرَةِ و تُبصِرُ بِه بَعدَ العُشوةِ و تَنقادُ بِه بَعدَ المُعانَدَةِ.
وما بَرِحَ لِلَّهِ عَزّت آلاؤُه فی البُرهَةِ بَعدَ البُرهَةِ و فی أزمانِ الفَتَراتِ عِبادٌ ناجاهُم فی فِکرِهِم و کَلَّمَهُم فی ذاتِ عُقولِهِم، فَاستَصبَحوا بِنورِ یَقَظَةٍ فی الأبصارِ و الأسماعِ و الأفئدَةِ، یُذَکِّرونَ بِأیّامِ اللَهِ و یُخَوِّفونَ مَقامَهُ بِمَنزِلَةِ الأدِلّةِ فی الفَلَواتِ، مَن أخَذَ القَصدَ حَمِدوا إلَیهِ طَریقَهُ و بَشَّروهُ بِالنَّجاةِ، و مَن أخَذَ یَمینًا و شِمالًا ذَمّوا إلَیهِ الطَّریقَ و حَذَّروهُ مِنَ الهَلَکَةِ، و کانوا کَذلِکَ مَصابیحَ تِلکَ الظُّلُماتِ و أدِلّةَ تِلکَ الشُّبُهاتِ.
و إنّ لِلذِّکرِ لَأهلًا أخَذوهُ مِنَ الدّنیا بَدلًا، فلَم تَشغَلهُم تِجارَةٌ و لا بَیعٌ عَنهُ، یَقطَعونَ بِه أیّامَ الحَیَاةِ، و یَهتِفونَ بِالزَّواجِرِ عَن مَحارِمِ اللهِ فی أسماعِ الغافِلینَ، و یَأمُرونَ بِالقِسطِ و یَأتَمِرونَ بِه، و یَنهَونَ عَنِ المُنکَرِ و یَتَناهَونَ عَنهُ، فَکَأنّما قَطَعوا الدّنیا إلَی الآخِرَةِ و هُم فِیها، فَشاهَدوا ما وَراءَ ذلِکَ، فَکَأنّما اطَّلَعوا غُیوبَ أهلِ البَرزَخِ فی طولِ الإقامَةِ فیهِ، و حَقَّقَت القِیامَةُ علَیهِم عِداتِها، فکَشَفوا غِطاءَ ذلِکَ لأهلِ الدّنیا، حَتّی کَأَنّهُم یَرَونَ ما لا یَرَی النّاسُ و یَسمَعونَ ما لا یَسمَعونَ.
فلَو مَثَّلتَهُم لعَقلِکَ فی مَقاوِمِهِمُ المَحمودَةِ و مَجالِسِهِمُ المَشهودَةِ ـ و قَد نَشَروا دَواوینَ أعمالِهِم، و فَرَغوا لِمُحاسَبَةِ أنفُسِهِم علَی کُلِّ صَغیرَةٍ و کَبیرَةٍ أُمِروا بِها فقَصَّروا عَنها أو نُهوا عَنها ففَرَّطوا فیها، و حَمَّلوا ثِقَلَ أوزاِرِهم ظُهورَهُم، فضَعُفوا عَنِ الإستِقلالِ بِها فنَشَجوا نَشیجًا و تَجاوَبوا نَحیبًا، یَعِجّونَ إلَی رَبِّهِم مِن مَقامِ نَدَمٍ و
[١]ـ سوره النّور (٢٤) صدر آیه ٣٧.