البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٢ - ذكر من توفى في هذه السنة من الأعيان الحسن بن على بن أبى طالب
هذا العام.
و قال محمد بن سعد عن هودة بن خليفة عن عوف عن محمد بن سيرين قال: لما دخل معاوية الكوفة و بايعه الحسن بن على قال أصحاب معاوية لمعاوية: مر الحسن بن على أن يخطب، فإنه حديث السن عيى، فلعله يتلعثم فيتضع في قلوب الناس. فأمره فقام فاختطب فقال في خطبته:
«أيها الناس لو اتبعتم بين جابلق و جابرس رجلا جده نبي غيري و غير أخى لم تجدوه، و إنا قد أعطينا بيعتنا معاوية و رأينا أن حقن دماء المسلمين خير من إهراقها، و اللَّه ما أدرى لعله فتنة لكم و متاع إلى حين»- و أشار إلى معاوية- فغضب من ذلك و قال: ما أردت من هذه؟ قال: أردت منها ما أراد اللَّه منها.
فصعد معاوية و خطب بعده. و قد رواه غير واحد و قدمنا أن معاوية عتب على أصحابه.
و قال محمد بن سعد: ثنا أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة عن يزيد قال: سمعت جبير بن نفير الحضرميّ يحدث عن أبيه قال: قلت للحسن بن على: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة؟ فقال: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت و يحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه اللَّه، ثم أثيرها ثانيا من أهل الحجاز.
و قال محمد بن سعد: أنا على بن محمد عن إبراهيم بن محمد عن زيد بن أسلم قال: دخل رجل على الحسن بن على و هو بالمدينة و في يده صحيفة فقال: ما هذه؟ فقال: ابن معاوية يعدنيها و يتوعد، قال: قد كنت على النّصف منه، قال: أجل و لكن خشيت أن يجئ يوم القيامة سبعون ألفا، أو ثمانون ألفا، أو أكثر أو أقل، تنضح أوداجهم دما، كلهم يستعدى اللَّه فيم هريق دمه.
و قال الأصمعي عن سلام بن مسكين عن عمران بن عبد اللَّه. قال: رأى الحسن بن على في منامه أنه مكتوب بين عينيه، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال:
إن كان رأى هذه الرؤيا فقلّ ما بقي من أجله. قال: فلم يلبث الحسن بن على بعد ذلك إلا أياما حتى مات.
و قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن صالح العتكيّ و محمد بن عثمان العجليّ قالا:
ثنا أبو أسامة عن ابن عون عن عمير بن إسحاق. قال: دخلت أنا و رجل آخر من قريش على الحسن ابن على فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، و لقد سقيت السم مرارا و ما سقيت مرة هي أشد من هذه. قال: و جعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألنى، فقال ما أسألك شيئا يعافيك اللَّه، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد. و قد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند رأسه، فقال: أي أخى! من صاحبك؟ قال: تريد قتله، قال:
نعم! قال لئن كان صاحبي الّذي أظن للَّه أشد نقمة.
و في رواية: فاللَّه أشد بأسا و أشد تنكيلا، و إن لم يكنه ما أحب أن تقتل بى بريئا. و رواه محمد بن سعد عن ابن علية عن ابن عون.
و قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد اللَّه بن جعفر عن أم بكر بنت المسور. قالت: الحسن سقى مرارا كل ذلك يفلت منه، حتى كانت المرة الآخرة التي مات فيها فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام