البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٩ - ذكر من توفى في هذه السنة من الأعيان الحسن بن على بن أبى طالب
إلى الجبل.
و قال محمد بن سعد: أنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن ابن عون عن محمد بن إسحاق قال: ما تكلم عندي أحد كان أحب إلى إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن على، و ما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بينه و بين عمرو بن عثمان خصومة فقال: ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط.
قال محمد بن سعد: و أنا الفضل بن دكين أنا مساور الجصاص عن رزين بن سوار. قال: كان بين الحسن و مروان خصومة فجعل مروان يغلظ للحسن و حسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك! أما علمت أن اليمنى للوجه، و الشمال للفرج؟ أف لك، فسكت مروان.
و قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قيل للحسن بن على: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، و السقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم اللَّه أبا ذر أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار اللَّه له لم يتمكن أن يكون في غير الحالة التي اختار اللَّه له.
و هذا أحد الوقوف على الرضا بما تعرف به القضاء.
و قال أبو بكر محمد بن كيسان الأصم: قال الحسن ذات يوم لأصحابه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، و كان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، و لا يكثر إذا وجد، و كان خارجا عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله و لا رأيه، و كان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يدا إلا على ثقة المنفعة، و لا يخطو خطوة إلا لحسنة، و كان لا يسخط و لا يتبرم، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، و كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال يذر القائلين، و كان لا يشارك في دعوى، و لا يدخل في مراء، و لا يدلى بحجة، حتى يرى قاضيا يقول ما لا يفعل، و يفعل ما لا يقول، تفضلا و تكرما، كان لا يغفل عن إخوانه، و لا يستخص بشيء دونهم. كان لا يكرم أحدا فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتدأه أمر ان لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه. رواه ابن عساكر و الخطيب.
و قال أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: ثنا بدر بن الهيثم الحضرميّ ثنا على بن المنذر الطريفي ثنا عثمان ابن سعيد الدارميّ ثنا محمد بن عبد اللَّه أبو رجاء- من أهل تستر- ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي عن أبى إسحاق الهمدانيّ عن الحارث الأعور أن عليا سأل ابنه- يعنى الحسن- عن أشياء من المروءة فقال: يا بنى ما السداد؟ قال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال:
اصطناع العشيرة و حمل الجريرة. قال: فما المروءة؟ قال: العفاف و إصلاح المرء ماله. قال: فما الدنيئة؟ قال: النظر في اليسير و منع الحقير. قال: فما اللوم؟ قال: احتراز المرء نفسه و بذله عرسه.
قال: فما السماحة؟ قال: البذل في العسر و اليسر. قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك سرفا و ما أنفقته تلفا. قال: فما الإخاء؟ قال: الوفاء في الشدة و الرخاء. قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة