البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٨ - و هذه ترجمة مصعب بن الزبير (رحمه اللَّه)
الشعبي: ما رأيت أميرا على منبر قط أحسن منه، و كذا قال إسماعيل بن خالد. و قال الحسن هو أجمل أهل البصرة، و قال الخطيب البغدادي: ولى إمرة العراقين لأخيه عبد اللَّه حتى قتله عبد الملك بمسكن بموضع قريب من أو انا على نهر دجيل عند دير الجاثليق، و قبره إلى الآن معروف هناك. و قد ذكرنا صفة مقتله المختار بن أبى عبيد، و أنه قتل في غداة واحدة من أصحاب المختار سبعة آلاف، قال الواقدي: لما قتل مصعب المختار طلب أهل القصر من أصحاب المختار من مصعب الأمان فأمنهم، ثم بعث إليهم عباد بن الحصين فجعل يخرجهم ملتفين، فقال له رجل: الحمد للَّه الّذي نصركم علينا و ابتلانا بالأسر، يا ابن الزبير من عفا عفا اللَّه عنه، و من عاقب لا يأمن القصاص، نحن أهل قبلتكم و على ملتكم و قد قدرت فاسمح و اعف عنا، قال: فرق لهم مصعب و أراد أن يخلى سبيلهم، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث و غيره من كل قبيلة فقالوا: قد قتلوا أولادنا و عشائرنا و جرحوا منا خلقا، اخترنا أو اخترهم، فأمر حينئذ بقتلهم، فنادوا بأجمعهم: لا تقتلنا و اجعلنا مقدمتك في قتال عبد الملك بن مروان، فان ظفرنا فلكم، و إن قتلنا لا نقتل حتى نقتل منهم طائفة، و كان الّذي تريد، فأبى ذلك مصعب، فقال له مسافر: اتّق اللَّه يا مصعب، فان اللَّه عز و جل أمرك أن لا تقتل نفسا مسلمة بغير نفس، و إن مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً فلم يسمع له بل أمر بضرب رقابهم جميعهم و كانوا سبعة آلاف نفس، ثم كتب مصعب إلى ابن الأشتر أن أجبنى فلك الشام و أعنة الخيل، فسار ابن الأشتر إلى مصعب. و قيل إن مصعباً لما قدم مكة أتى عبد اللَّه بن عمر فقال: أي عم: إني أسألك عن قوم خلعوا الطاعة و قاتلوا حتى غلبوا تحصنوا و سألوا الأمان فأعطوه ثم قتلوا بعد ذلك. فقال: و كم هم؟ فقال: خمسة آلاف، فسبح ابن عمر و استرجع و قال: لو أن رجلا أتى ماشية الزبير فذبح منها خمسة آلاف ماشية في غداة واحدة أ لست تعده مسرفا؟ قال: نعم: قال: أ فتراه إسرافا في البهائم و لا تراه إسرافا في من ترجو توبته؟
يا ابن أخى أصب من الماء البارد ما استطعت في دنياك. ثم إن مصعبا بعث برأس المختار إلى أخيه بمكة و تمكن مصعب في العراق تمكنا زائداً، فقرر بها الولايات و العمال، و حظي عنده ابن الأشتر فجعله على الوفادة، ثم رحل مصعب إلى أخيه بمكة فأعلمه بما فعل فأقره على ما صنع، إلا ابن الأشتر لم يمض له ما جعله عليه، و قال له: أ تراني أحب الأشتر و هو الّذي جرحنى هذه الجراحة، ثم استدعى بمن قدم مع مصعب من أهل العراق فقال لهم: و اللَّه لوددت أن لي بكل رجلين منكم رجلا من أهل الشام. فقال له أبو حاجز الأسدي- و كان قاضى الجماعة بالبصرة- إن لنا و لكم مثلا قد مضى يا أمير المؤمنين و هو ما قال الأعشى:-
علقتها عرضا و علقت رجلا* * * غيري و علق أخرى غيرها الرجل