البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٠ - و هذه ترجمة مصعب بن الزبير (رحمه اللَّه)
رأيت ما وهبتني من حياتي في عيش رضى، فأطلق له مائة ألف، فقال الرجل إني أشهدك أن نصفها لابن قيس الرقيات حيث يقول فيك:-
إن مصعبا شهاب من اللَّه* * * تجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه* * * جبروت منه و لا كبرياء
يتقى اللَّه في الأمور و قد* * * أفلح من كان همه الاتقاء
و في رواية أنه قال له: أيها الأمير قد وهبتني حياة، فإن استطعت أن تجعل ما قد وهبتني من الحياة في عيش رضى و سعة فافعل، فأمر له بمائة ألف.
و قال الامام أحمد: حدثنا حماد بن سلمة ثنا على بن يزيد قال: بلغ مصعبا عن عريف الأنصاري شيء فهم به، فدخل عليه أنس بن مالك فقال له: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «استوصوا بالأنصار خيرا- أو قال معروفا- أقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم».
فألقى مصعب نفسه عن سريره و ألصق خده بالبساط و قال: «أمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على الرأس و العين» فتركه. و من كلام مصعب في التواضع أنه قال: العجب من ابن آدم كيف يتكبر و قد جرى في مجرى البول مرتين.
و قال محمد بن يزيد المبرد: سئل القاسم بن محمد عن مصعب فقال: كان نبيلا رئيسا تقيا أنيسا. و قد تقدم أنه لما ظهر على المختار قتل من أصحابه في غداة واحدة خمسة آلاف، و قيل سبعة آلاف، فلما كان بعد ذلك لقي ابن عمر فسلم عليه فلم يعرفه ابن عمر، لأنه كان قد أنضر في عينيه، فتعرف له فعرفه، قال: أنت الّذي قتلت في غداة واحدة خمسة آلاف ممن يوحد اللَّه؟ فاعتذر إليه بأنهم بايعوا المختار، فقال: أما كان فيهم من هو مستكره أو جاهل فينظر حتى يتوب؟ أ رأيت لو أن رجلا جاء إلى غنم الزبير فنحر منها خمسة آلاف في غداة واحدة، أما كان مسرفا؟ قال: بلى! قال: و هي لا تعبد اللَّه و لا تعرفه كما يعرفه الآدمي، فكيف بمن هو موحد؟ ثم قال له: يا بنى تمتع من الماء البارد ما استطعت، و في رواية أنه قال له: عش ما استطعت.
و قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الحسن عن زفر بن قتيبة عن الكلبي قال قال عبد الملك ابن مروان يوما لجلسائه: من أشجع العرب و الروم؟ قالوا شبيب، و قال آخر: قطري بن الفجاءة و فلان و فلان. فقال عبد الملك: إن أشجع الناس لرجل جمع بين سكينة بنت الحسين و عائشة بنت طلحة و أمه الحميد بنت عبد اللَّه بن عامر بن كريز، و ابنه ريان بن أنيف الكلبي، سيد ضاحية العرب و ولى العراقين خمس سنين فأصاب ألف ألف، و ألف ألف، و ألف ألف، مع ما لنفسه من الأموال و ملك غير ذلك من الأثاث و الدواب و الأموال ما لا يحصى، و أعطى مع هذا الأمان و أن يسلم هذا له جميعه مع الحياة فزهد في هذا كله و أبى و اختار القتل على مقام ذل، و مفارقة هذا كله و مشى