البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - و هذه ترجمة الأشدق
و أحسن إليهم، ثم لما انعقدت الجماعة لعبد الملك بعد مقتل ابن الزبير، وفدوا عليه فكاد يقتلهم فتلطف بعضهم في العبارة حتى رق لهم رقة شديدة، فقال لهم عبد الملك: إن أباكم خيرنى بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على قتلى، و أما أنتم فما أرغبنى فيكم و أوصلني لقرابتكم و أرعانى لحقكم فأحسن جائزتهم و قربهم، و قد كان عبد الملك بعث إلى امرأة عمرو بن سعيد أن ابعثي إلى بكتاب الأمان الّذي كنت كتبته لعمرو، فقالت: إني دفنته معه ليحاكمك به يوم القيامة عند اللَّه. و قد كان مروان بن الحكم وعد عمرو بن سعيد هذا أن يكون ولى العهد من بعد ولده عبد الملك، كلاما مجردا، فطمع في ذلك و قويت نفسه بسبب ذلك، و كان عبد الملك يبغضه بغضا شديدا من حال الصغر، ثم كان هذا صنيعه إليه في الكبر. قال ابن جرير: و ذكر أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك ذات يوم: عجب منك و من عمرو بن سعيد كيف أصبت غرته حتى قتلته؟ فقال:-
و أدنيته منى ليسكن روعه* * * فأصول صولة حازم مستمكن
غضبا و محمية لديني إنه* * * ليس المسيء سبيله كالمحسن
قال خليفة بن خياط: و هذا الشعر للضبى بن أبى رافع تمثل به عبد الملك. و روى ابن دريد عن أبى حاتم عن الشعبي أن عبد الملك قال: لقد كان عمرو بن سعيد أحب إلى من دم النواظر، و لكن و اللَّه لا يجتمع فحلان في الإبل إلا أخرج أحدهما الآخر، و إنا لكما قال أخو بنى يربوع:-
أجازى من جزانى الخير خيرا* * * و جازى الخير يجزى بالنوال
و أجزى من جزانى الشر شرا* * * كما تحذا النعال على النعال
قال خليفة بن خياط: و أنشد أبو اليقظان لعبد الملك في قتله عمرو بن سعيد
صحّت و لا تشلل و ضرت عدوها* * * يمين أراقت مهجة ابن سعيد
[وجدت ابن مروان و لا نبل عنده* * * شديد ضرير الناس غر بليد
هو ابن أبى العاصي لمروان ينتهى* * * إلى أسرة طابت له و جدود] [١]
و كان الواقدي يقول: أما حصار عبد الملك لعمرو بن سعيد الأشدق فكان في سنة تسع و ستين، رجع إليه من بطنان فحاصره بدمشق ثم كان قتله في سنة سبعين و اللَّه أعلم.
و هذه ترجمة الأشدق
هو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو أمية القرشي الأموي، المعروف بالأشدق،
يقال إنه رأى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و روى عنه أنه قال: «ما نحل والد ولدا أحسن من أدب حسن»
و حديثا آخر في العتق، و روى عن عمر و عثمان و على و عائشة، و حدث عنه بنوه أمية و سعيد
[١] سقط من نسخة طوب قبو بالأستانة