البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٩ - فصل
و قال له: ليكن خبرك في كل يوم عندي، و إذا لقيت عدوك فناجزك فناجزه، و لا تؤخر فرصة. و لما بلغ مخرجهم ابن زياد جهز بين يديه سريتين إحداهما مع ربيعة بن مخارق ثلاثة آلاف، و الأخرى مع عبد اللَّه بن حملة ثلاثة آلاف، و قال: أيكم سبق فهو الأمير، و إن سبقتما معا فالأمير عليكم أسنكما. فسبق ربيعة بن مخارق إلى يزيد بن أنس فالتقيا في طرف أرض الموصل مما يلي الكوفة، فتواقفا هنالك، و يزيد بن أنس مريض مدنف، و هو مع ذلك يحرض قومه على الجهاد و يدور على الارباع و هو محمول مضنى و قال للناس: إن هلكت فالأمير على الناس عبد اللَّه بن ضمرة الفزاري، و هو رأس الميمنة، و إن هلك فمسعر بن أبى مسعر رأس الميسرة، و كان ورقاء بن خالد الأسدي على الخيل. و هو و هؤلاء الثلاثة أمراء الارباع، و كان ذلك في يوم عرفة من سنة ست و ستين عند إضاءة الصبح، فاقتتلوا هم و الشاميون قتالا شديدا، و اضطربت كل من الميمنتين و الميسرتين، ثم حمل ورقاء على الخيل فهزمها و فر الشاميون و قتل أميرهم ربيعة بن مخارق، و احتاز جيش المختار ما في معسكر الشاميين، و رجع فرارهم فلقوا الأمير الآخر عبد اللَّه بن حملة، فقال: ما خبركم؟ فأخبروه فرجع بهم و سار بهم نحو يزيد بن أنس فانتهى إليهم عشاء، فبات الناس متحاجزين، فلما أصبحوا تواقفوا على تعبئتهم، و ذلك يوم الأضحى من سنة ست و ستين، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم جيش المختار جيش الشاميين أيضا، و قتلوا أميرهم عبد اللَّه بن حملة و احتووا على ما في معسكرهم، و أسروا منهم ثلاثمائة أسير، فجاءوا بهم إلى يزيد بن أنس و هو على آخر رمق، فأمر بضرب أعناقهم و مات يزيد بن أنس من يومه ذلك و صلى عليه خليفته ورقاء بن عامر و دفنه، و سقط في أيدي أصحابه و جعلوا يتسللون راجعين إلى الكوفة، فقال لهم ورقاء يا قوم ما ذا ترون؟ إنه قد بلغني أن ابن زياد قد أقبل في ثمانين ألفاً من الشام، و لا أرى لكم بهم طاقة، و قد هلك أميرنا، و تفرق عنا طائفة من الجيش من أصحابنا فلو انصرفنا راجعين إلى بلادنا و نظهر أنا إنما انصرفنا حزنا منا على أميرنا لكان خيرا لنا من أن نلقاهم فيهزموننا و نرجع مغلوبين، فاتفق رأى الأمراء على ذلك، فرجعوا إلى الكوفة. فلما بلغ خبرهم أهل الكوفة، و أن يزيد بن أنس قد هلك، أرجف أهل الكوفة بالمختار و قالوا قتل يزيد بن أنس في المعركة و انهزم جيشه، و عما قليل يقدم عليكم ابن زياد فيستأصلكم و يشتف خضراكم، ثم تمالئوا على الخروج على المختار و قالوا: هو كذاب، و اتفقوا على حربه و قتاله و إخراجه من بين أظهرهم، و اعتقدوا أنه كذاب، و قالوا: قد قدم موالينا على أشرافنا، و زعم أن ابن الحنفية قد أمره بالأخذ بثأر الحسين و هو لم يأمره بشيء، و إنما هو متقول عليه، و انتظروا بخروجهم عليه أن يخرج من الكوفة إبراهيم بن الأشتر فأنه قد عينه المختار أن يخرج في سبعة آلاف للقاء ابن زياد، فلما خرج ابن الأشتر اجتمع أشراف الناس ممن كان في جيش قتلة الحسين و غيرهم