البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - صفة مخرج الحسين إلى العراق و ما جرى له بعد ذلك
ذلك بى و بك لنشبت يدي في رأسك، و لو أعلم أنا إذا تباصينا أقمت لفعلت، و لكن لا أخال ذلك مانعك. فقال الحسين: لأن أقتل بمكان كذا و كذا أحب إلى من أن أقتل بمكة و تستحل بى،
قال: فبكى ابن عباس و قال: أقررت عين ابن الزبير بذلك، و ذلك الّذي سلى نفسي عنه قال:
ثم خرج ابن عباس عنه و هو مغضب و ابن الزبير على الباب، فلما رآه قال: يا ابن الزبير قد أتى ما أحببت، قرت عينك، هذا أبو عبد اللَّه خارج و يتركك و الحجاز، ثم قال:
يا لك من قنبرة بمعمر* * * خلالك الجو فبيضي و اصفرى
و نقرى ما شئت أن تنقرى* * * صيادك اليوم قتيل فابشرى
قال: و بعث الحسين إلى المدينة يقدم عليه من خف من بنى عبد المطلب، و هم تسعة عشر رجلا و نساء و صبيان من إخوته و بناته و نسائه، و تبعهم محمد بن الحنفية، فأدرك حسينا بمكة، فأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل، فحبس محمد بن الحنفية ولده فلم يبعث أحدا منهم حتى وجد الحسين في نفسه على محمد، و قال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه؟ فقال: و ما حاجتي إلى أن تصاب و يصابون معك؟ و إن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم؟ قالوا: و بعث أهل العراق إلى الحسين الرسل و الكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجها إليهم في أهل بيته و ستين شخصا من أهل الكوفة صحبته، و ذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة، فكتب مروان إلى ابن زياد: أما بعد فان الحسين بن على قد توجه إليك، و هو الحسين بن فاطمة. و فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و تاللَّه ما أحد يسلمه اللَّه أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، و لا تنساه العامة، و لا تدع ذكره آخر الدهر و السلام. و كتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص:
أما بعد فقد توجه إليك الحسين، و في مثلها تعتق أو تكون عبدا تسترق كما يسترق العبيد، و قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه. قال: كتب يزيد إلى ابن زياد: إنه قد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة، و قد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، و بلدك من بين البلدان، و ابتليت أنت به من بين العمال، و عندها تعتق أو تعود عبدا كما ترق العبيد و تعبّد، فقتله ابن زياد و بعث برأسه إليه.
قلت: و الصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام كما سيأتي [و في رواية أن يزيد كتب إلى ابن زياد: قد بلغني أن الحسين قد توجه إلى نحو العراق، فضع المناظر و المسالح، و احترس و احبس على الظنة و خذ على التهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، و اكتب إليّ في كل ما يحدث من خبر و السلام] [١].
[١] سقط من المصرية.