البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٥ - سنة ستين من الهجرة النبويّة
فحمل إلى المدينة فصلى عليه، ثم دفن بالبقيع (رحمه اللَّه) و رضى عنه. و كتب الوليد بن عتبة إلى معاوية بوفاة أبى هريرة، فكتب إليه معاوية: أن انظر ورثته فأحسن إليهم، و أصرف إليهم عشرة آلاف درهم، و أحسن جوارهم، و اعمل إليهم معروفا، فإنه كان ممن نصر عثمان، و كان معه في الدار رحمهما اللَّه تعالى:
سنة ستين من الهجرة النبويّة
فيها كانت غزوة مالك بن عبد اللَّه مدينة سورية، قال الواقدي: و فيها دخل جنادة بن أبى أمية جزيرة رودس، و فيها أخذ معاوية البيعة ليزيد من الوفد الذين قدموا صحبة عبيد اللَّه بن زياد إلى دمشق، و فيها مرض معاوية مرضه الّذي توفى فيه في رجب منها كما سنبينه. فروى ابن جرير من طريق أبى مخنف: حدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد اللَّه بن مخرمة أن معاوية لما مرض مرضته التي هلك فيها، دعا ابنه يزيد فقال: يا بنى إني قد كفيتك الرحلة و الرجال. و وطأت لك الأشياء، و ذللت لك الأعزاء، و أخضعت لك أعناق العرب، و إني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الّذي أسسته إلا أربعة نفر، الحسين بن على، و عبد اللَّه بن عمر، و عبد اللَّه بن الزبير، و عبد الرحمن بن أبى بكر. كذا قال، و الصحيح أن عبد الرحمن كان قد توفى قبل موت معاوية بسنتين كما قدمنا، فاما ابن عمر فهو رجل ثقة قد وقدته العبادة، و إذا لم يبق أحد غيره بايعك، و أما الحسين فان أهل العراق خلفه لا يدعونه حتى يخرجونه عليك، فان خرج فظفرت به فاصفح عنه، فان له رحما ماسة، و حقا عظيما. و أما ابن أبى بكر فهو رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله، ليست له همة إلا في النساء و اللهو. و أما الّذي يجثم لك جثوم الأسد، و يراوغك روغان الثعلب، و إذا أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فان هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا. قال غير واحد: فحين حضرت معاوية الوفاة كان يزيد في الصيد، فاستدعى معاوية الضحاك بن قيس الفهري- و كان على شرطة دمشق- و مسلم بن عقبة فأوصى إليهما أن يبلغا يزيد السلام و يقولان له يتوصى بأهل الحجاز، و إن سأله أهل العراق في كل يوم أن يعزل عنهم عاملا و يولى عليهم عاملا فليفعل، فعزل واحد أحب إليك من أن يسل عليك مائة ألف سيف، و إن يتوصى بأهل الشام، و أن يجعلهم أنصاره، و أن يعرف لهم حقهم، و لست أخاف عليه من قريش سوى ثلاثة، الحسين، و ابن عمر، و ابن الزبير. و لم يذكر عبد الرحمن بن أبى بكر، و هذا أصح، فأما ابن عمر فقد وقدته العبادة، و أما الحسين فرجل ضعيف و أرجو أن يكفيكه اللَّه تعالى بمن قتل أباه و خذل أخاه، و إن له رحما ماسة و حقا عظيما، و قرابة من محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فان قدرت عليه فأصفح عنه فانى لو صاحبته عفوت عنه. و أما ابن الزبير فإنه خب ضب فان شخص لك فانبذ إليه إلا أن يلتمس منك صلحا، فان فعل فاقبل منه، و اصفح عن دماء قومك ما استطعت.