البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١١ - أبو هريرة الدوسيّ رضى اللَّه عنه
مات و هو شهيد»
و هذا حديث غريب من هذا الوجه، و روى غير واحد عن أبى هريرة أنه كان يتعوذ في سجوده أن يزني أو يسرق، أو يكفر أو يعمل كبيرة. فقيل له: أ تخاف ذلك؟ فقال:
ما يؤمنني و إبليس حي، و مصرّف القلوب يصرفها كيف يشاء؟. و قالت له ابنته: يا أبة إن البنات يعيرننى يقلن: لم لا يحليك أبوك بالذهب؟ فقال: يا بنية قولي لهن. إن أبى يخشى على حر اللهب و قال أبو هريرة أتيت عمر بن الخطاب فقمت له و هو يسبح بعد الصلاة فانتظرته فلما انصرف دنوت منه فقلت: اقرئنى آيات من كتاب اللَّه، قال: و ما أريد إلا الطعام، قال فأقرأنى آيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل و تركني على الباب، فقلت: ينزع ثيابه ثم يأمر لي بطعام، فلم أر شيئا،
فلما طال عليّ قمت فمشيت فاستقبلني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فكلمني فقال: «يا أبا هريرة إن خلوف فمك الليلة لشديد؟ فقلت: أجل يا رسول اللَّه، لقد ظللت صائما و ما أفطرت بعد، و ما أجد ما أفطر عليه، قال: فانطلق، فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء فقال: ايتنا بتلك القصعة، فأتينا بقصعة فيها و ضر من طعام أراه شعيرا قد أكل و بقي في جوانبها بعضه و هو يسير، فسميت و جعلت أتتبعه فأكلت حتى شبعت».
و قال الطبراني: ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين أن أبا هريرة قال لابنته: لا تلبسي الذهب فانى أخشى عليك حر اللهب. و قد روى هذا عن أبى هريرة من طرق. و قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ثنا شعبة عن سماك بن حرب عن أبى الربيع عن أبى هريرة أنه قال: إن هذه الكناسة مهلكة دنياكم و آخرتكم- يعنى الشهوات و ما يأكلونه- و روى الطبراني عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل و قد عمل من هو خير منك؟- أو قال: قد طلبه من هو خير منك-؟ قال: من؟ قال: يوسف (عليه السلام) فقال أبو هريرة: يوسف نبي ابن نبي، و أنا أبو هريرة بن أميمة، فأخشى ثلاثا أو اثنتين. فقال عمر: أ فلا قلت خمسا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، و أقضى بغير حلم، و أن يضرب ظهري، و ينتزع مالي، و يشتم عرضي.
و قال سعيد بن أبى هند عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له: «ألا تسألنى من هذه الغنائم التي سألني أصحابك؟ فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك اللَّه، قال: فنزع نمرة على ظهري فبسطها بيني و بينه حتى كأنى إلى القمل يدب عليها،
فحدثني حتى إذا استوعب حديثه قال:
اجمعها إليك فصرها، فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني». و قال أبو عثمان النهدي: قلت لأبى هريرة: كيف تصوم؟ قال: أصوم أول الشهر ثلاثا فان حدث بى حدث كان لي أجر شهري.
و قال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى عثمان النهدي أن أبا هريرة كان في سفر و معه قوم فلما نزلوا وضعوا السفرة و بعثوا إليه ليأكل معهم فقال: إني صائم، فلما كادوا أن يفرغوا من أكلهم جاء فجعل