نوادر الأخبار فيما يتعلق بأصول الدين - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٧ - باب مقام أولاد القائم
بها و الذي يليه منها، و الأنهار منخرقه[١] في وسطها يشرب منها أهل الدّور و الأسواق.
و تأخذ منها الحمّامات و الميضاة و فواضل الأنهار ترمى في البحر، و مدى الأنهار فرسخ و نصف أو دونه يجري من جبل، هذا قدر ما بينه و بين المدينة، و في تحت ذلك الجبل بساتين المدينة و أشجارها، و مزارعها عند العيون و ثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها و لا أعذب، و يرعى الذئب و النعجة عيانا و لو قصد قاصد لتخلية دابته في زرع غيره لما رعته، و لا قطعت منه قطعة واحدة.
و لقد شاهدت السباع و الهوامّ رابضة في غيض تلك المدينة، و بنو آدم يمرّون عليها فلا تؤذيهم، فلمّا قدمنا المدينة و أرسى المراكب فيها، و ما كان صحبنا من الشوابى[٢] و الذبابيح من المباركة بشريعة الزاهرة، صعدنا فرأينا مدينة عظيمة البناء كثيرة الخلق، وسيعة الربعة، فيها الأسواق الكثيرة، و المعاش العظيم، و ترد إليها الخلق من البرّ و البحر، و أهلها على أحسن قاعدة، لا يكون على وجه الأرض من الأمم و أهل الأديان كأمنهم و أمانتهم، حتّى أنّ المتعيّش لسوق المدينة يرد إليها من يبتاع منه حاجته إمّا بالوزن أو بالذراع فيبايعه عليها.
ثمّ يقول: يا هذا زن لنفسك و اتزن[٣] لنفسك، فهذه صورة مبايعاتهم، لا يسمع منهم لغو المقال، و لا السفه و لا النميمة، و لا يسبّ بعضهم بعضا، و إذا نادى المؤذن الأذان، لا يتخلّف منهم متخلّف ذكرا كان أو أنثى، إلّا و يسعى إلى الصلاة، حتّى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض، رجع كلّ منهم إلى بيته حتّى يكون وقت صلاة أخرى فيكون الحال كما كانت، فلما دخلنا المدينة، و أرسينا بمشرعتها، أمرنا بحضورنا عند السلطان.
فحضرنا داره، و دخلنا إليه إلى بستان في وسطه قبّة من قصب و السلطان في تلك القبّة و عنده جماعه و في باب القبّة ساقية تجرى، فوافينا القبّة، و قد أقام المؤذّن الصلاة، فلم يكن بأسرع من امتلاء ذلك البستان بالنّاس، و أقيمت الصلاة، فصلّى بهم جماعة، فلا و اللّه لم ينظر عيني أخضع للّه منه، و لا ألين جانبا لرعيته، فصلّى من صلّى مأموما، فلمّا قضيت الصلاة التفت إلينا و قال: هؤلاء القادمون؟ قلنا: نعم، و كانت تحيّة النّاس له و مخاطبتهم إيّاه «يا ابن
[١]- في البحار:« مخرفة».
[٢]- الشوب: الخلط، الذوب؛ ما شبته به من ماء أو لبن.
[٣]- في البحار:« و اذرع لنفسك»