البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦ - في ذكر شيء من سيرته العادلة و سريرته الفاضلة و مواعظه و قضاياه الفاصلة و خطبه الكاملة و حكمه التي هي إلى القلوب واصله
بناؤها، قال: فما وضعت عليها لبنة، قال: فكنت فيمن يمر عليها لا تشبه الدور.
و قال ابن أبى الدنيا: حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير الشيباني عن أبيه عن عبد الغفار بن القاسم الأنصاري عن أبى بشير الشيباني. قال: شهدت الجمل مع مولاي فما رأيت يوما قط أكثر ساعدا نادرا و قدما نادرة من يومئذ، و لا مررت بدار الوليد قط إلا ذكرت يوم الجمل
قال: فحدثني الحكم بن عيينة أن عليا دعا يوم الجمل فقال: اللَّهمّ خذ أيديهم و أقدامهم.
و من كلامه الحسن رضى اللَّه عنه.
قال ابن أبى الدنيا: حدثنا على بن الجعد أنا عمرو بن شمر حدثني إسماعيل السدي سمعت أبا أراكة يقول: صليت مع على صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: و اللَّه لقد رأيت أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) فلما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، قد باتوا للَّه سجدا و قياما يتلون كتاب اللَّه يتراوحون بين جباههم و أقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا اللَّه مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، و هملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم، و اللَّه لكأن القوم باتوا غافلين،
ثم نهض فما رئي بعد ذلك مفترا يضحك حتى قتله ابن ملجم عدو اللَّه الفاسق.
و قال وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم عن على بن أبى طالب أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به، و اعملوا تكونوا من أهله، فإنه يأتى من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره، و إنه لا ينجو منه إلا كل أواب منيب، أولئك أئمة الهدى و مصابيح العلم ليسوا بالعجل المذاييع البذر، ثم قال: ألا و إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة و إن الآخرة قد أتت مقبلة، و لكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا و إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا، و التراب فراشا، و الماء طيبا، ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، و من أشفق من النار رجع عن المحرمات، و من طلب الجنة سارع إلى الطاعات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ألا إن للَّه عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، و أهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، و قلوبهم محزونة، و أنفسهم عفيفة، و حوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة لعقبي راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم، تجرى دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى اللَّه في فكاك رقابهم. و أما النهار فظماء حلماء بررة أتقياء، كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى و ما بالقوم من مرض، و خولطوا و لقد خالط القوم أمر عظيم.
و عن الأصبغ بن نباتة قال: صعد على ذات يوم المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه و ذكر الموت فقال: عباد اللَّه الموت ليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، و إن فررتم منه أدرككم، فالنجا النجا، و الوحا الوحا، إن وراءكم طالب حثيث القبر فاحذروا ضغطته و ظلمته و وحشته، ألا و إن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض