تهذيب الأصول - السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٢٤٥ - تتميم
عباده يقتضي الثاني فيعلم من ذلك أن قوله تعالى: رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، و ما ورد «أن بني إسرائيل كانوا إذا أصابتهم قطرة بول قرضوا لحمهم بالمقاريض». لم يعلم أن ذلك كان تكليفا أوّليا إلهيا، أو كانت من العقوبات المستعجلة الدنيوية التي رفعت عن امة نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله).
مع أن الإصر عبارة عن الضيق و مطلق المشقة و هو أعم من الحرج و غيره، مثلا وجوب إتيان الفرائض في المساجد ضيق و ليس بحرج، و كذا الفورية في قضاء الصلوات و الصيام و نحو ذلك، و المراد بقوله تعالى: وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً هذا النحو من الضيق لا الحرج المنفي في صدر الآية بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، و بقوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ. فيستفاد من إطلاقه أن دين اللّه تعالى لا حرج فيه خصوصا بقرينة قوله: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ، و كذا إطلاق قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.
ثم إنه كلما تقدم في فقه (لا ضرر و لا ضرار) يجري في (لا حرج في الدين) بلا فرق بينهما من هذه الجهة، فتجري فيها الأقوال الأربعة المتقدمة. و قد تقدم أن مفادها ترخيصي امتناني لا أن يكون على نحو العزيمة، فيصح العمل لو تحمل الحرج و أتى به.
إن قلت: بعد سقوط الأمر لأجل الحرج لا وجه لصحة العمل العبادي لتقومها بقصد الأمر.
قلت: سقوط الأمر لا يستلزم سقوط الملاك، و الكاشف عن بقائه مضافا إلى الإطلاقات استصحاب البقاء بعد كون السقوط ترخيصيا لا عزيمة. و لا يلزم من هذا التخيير بين الطهارة الترابية و المائية- مثلا- في ما إذا كانت الأخيرة مستلزمة للحرج، لأنه لا ريب في الاختلاف الرتبي بينهما ثبوتا و إثباتا، و مع ذلك كيف يثبت التخيير الذي لا بد فيه من التساوي من كل جهة.