تهذيب الأصول - السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ١٦٩ - الخامس توجيه ما ذكر في الحديث من الطيرة، و الحسد، و التفكر في الوسوسة في الخلق
و الامتنان. و كذا الكلام في «ما لا يطيقون» بل و يشكل من ذلك في قوله تعالى:
رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ لأنه بعد أن كان التكليف بما لا يطاق قبيحا عقلا لا وجه لهذا الدعاء.
قلت: ما هو قبيح في الموارد الثلاثة هو التكليف بقيد الجهل و الخطأ و النسيان. و أما وجوب الاحتياط و التحفظ حتى لا تتحقق هذه الامور مهما أمكن، أو وجوب التدارك بعد زوالها فلا قبح فيه أصلا، فرفع ذلك يكون لتسهيل الشرع و امتنانه.
و أما الآية الكريمة فلما لا يطاق مراتب متفاوتة.
الأولى: ما لا يطاق عقلا.
الثانية: ما يكون خلاف المتعارف.
الثالثة: ما يكون خلاف السهولة، كوجوب الصوم في كل سنة شهرين أو أربعين يوما- مثلا- لا يكون مما لا يطاق عقلا و لا عرفا، و لكنه خلاف السهولة، و هكذا بالنسبة إلى جميع التكاليف، فالدعاء ورد بالنسبة إلى القسم الأخير فقط.
[الخامس: توجيه ما ذكر في الحديث: من الطيرة، و الحسد، و التفكر في الوسوسة في الخلق:]
الخامس: قد ذكر في الحديث: الطيرة، و الحسد، و التفكر في الوسوسة في الخلق. و لها مراتب متفاوتة جدا.
منها: ما تترتب عليها الآثار الخارجية المحرّمة، و لا ريب في حرمتها.
و منها: ما تكون ثابتة في النفس و توجب اضطرابها دائما من دون أن تترتب عليها الآثار المحرمة، و لا ريب في أنها من الصفات الذميمة النفسانية، و يمكن أن يكون معنى رفعها رفع حرمتها، أو رفع مطلق الآثار عنها ببركة الإسلام و تفضل نبوة خير الأنام.
و منها: ما تكون من مجرد الخطور النفسي مع عدم بقاء له في النفس أصلا، فكيف بالأثر الخارجي، و هذه المراتب مختلفة بالنسبة إلى النفوس، و لا يبعد أن يكون قول الصادق (عليه السّلام): «ثلاثة لا يخلو منها نبي و ما دونه: الطيرة،