تهذيب الأصول - السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٦٤ - الثالث تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة و الجواب عنه
و الأولان قبيحان بلا إشكال، و الأخير متدارك بالمصلحة، بل قد يكون تركه قبيحا.
هذا بناء على كون الاعتبار من الطريقية المحضة، و أما بناء على الموضوعية و السببية، فإن كان المراد بها خلو الواقع رأسا عن الملاك و الحكم، بحيث كانت الأمارة موجدة للمصلحة واقعا بعد أن لم يكن في البين مصلحة أصلا، أو منقلبة عما في الواقع إلى مفادها، بحيث ينعدم الواقع بعد ما كانت ثابتة، فكلاهما خلاف مرتكزات العقلاء في الأمارات الدائرة بينهم، بل يستنكرونها بمقتضى فطرتهم، فلا نحتاج في رده إلى التمسك بالإجماع، و دعوى تواتر الأخبار على الخلاف، و لا ريب أن الشارع لم يخترع طريقة مستقلة في التعبد بغير العلم في مقابل مرتكزات العقلاء.
نعم، اعتبر امورا، كالتعدد و العدالة في بعض الموارد، و ردع عن امور كالقياس و الاستحسان و نحوهما، و في ما لم يثبت الردع و لم يعتبر شيء يكون المتبع هو الطريقة العقلائية، فهذا المعنى من السببية لا وجه له لدى العقلاء، بل مستنكر لديهم، مضافا إلى دعوى الإجماع و تواتر الأخبار على خلافهما.
و إن كان المراد بها حدوث المصلحة في موردها في طول الواقع- مصلحة تفضلية تداركية للواقع مع اتفاق فوته- فلا بأس به، بل هو حسن و واقع عند العرف و العقلاء، و يقتضيه سماحة الشرع الأقدس و رأفته بامته. و حينئذ فإن وافقت الأمارة مع الواقع فنعم الوفاق، و إن خالفت و كان في الواقع واجبا و أدت إلى خلافه، فمصلحة الواقع و إن فاتت عن المكلف لكن يتفضل الشارع عليه بما يتداركها، و إن كان في الواقع حراما و أدت إلى خلافه فقط ظفر المكلف بالمصلحة التفضلية.
و إنما الكلام في وقوعه في المفسدة الواقعية. و الحق أنه لا يقع فيها لأنها إن كانت العقاب فلا عقاب في صورة الجهل، و إن كانت شيئا آخر غيره فلا نسلم