المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ١٨ - المقدّمة
اذا كان استعمال الالفاظ في غير مواضعها باعثا على العقم الفكري.
و ربما كانت اللغة العربية الحديثة أحوج اللغات الثقافية الى تحديد مصطلحاتها العلمية و الفلسفية، لأنها مشتملة على الكثير من الالفاظ المترادفة و الالفاظ المشتركة الموضوعة لعدة معان. و قد قلت ان الالتباس في معاني الالفاظ يحول دون الفهم و الافهام، و يحمل المتعلمين على استعمالها كالببغاوات دون ادراك معانيها. لا شكّ في ان فصاحة الالفاظ تأخذ بمجامع قلوبنا، و لكنها إذا كانت غير مطابقة للمعاني بعثتنا على الابتسام. و اذا كانت الالفاظ حقائق موضوعية ذات وجود اجتماعي مستقل عن ارادتنا، فإنّ استعمالها في غير مواضعها لا يبعث على الغموض، و الالتباس، و الاشتباه فحسب، بل يلقي على الأشياء حجابا يحول دون معرفتها. نعم ان غموض العبارة قد يحرك فكر القارئ، أو يوحي اليه بمعان و صور لم تخطر ببال الكاتب، و لكن هذا الغموض لا يدل على عمق التفكير دائما. و اذا جاز لبعض الكتاب و الشعراء ان يتكلّفوا الغموض في اساليبهم، فإنه لا يجوز للعلماء و الفلاسفة ان يتكلّفوه، لأن الغاية التي يهدفون اليها هي التعبير عن المعاني المتصورة في اذهانهم باأفاظ واضحة و دقيقة. و من كان واضح الأفكار كان اقدر على التعبير عما يريد بألفاظ بسيطة، و ان كان اسلوبه غير مرصّع بجواهر البلاغة.
و لما كانت معاني الالفاظ مختلفة باختلاف اللغات كان من الصعب على واضعي المعاجم الفلسفية في اللغة العربية ان يترجموا اللفظ الاجنبي الواحد بلفظ عربي واحد. ذلك لأن لكل لغة اساليبها في وضع الالفاظ و التأليف بينها. و اذا كانت معاني الالفاظ تتغير بتغير الزمان، فإن تغيرها في احدى اللغات لا يجيء بالضرورة مطابقا لتغيرها في الأخرى. و سبب ذلك ان العوامل المؤثرة في تطور معاني الالفاظ مختلفة باختلاف البيئات الاجتماعية، و الثقافية، و كثيرا ما يكون