المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٢٠٠ - باب الباء
جريه، أي في أول جريه، و البده أن تستقبل الإنسان بأمر مفاجأة، و الاسم البديهة أي المفاجأة، تقول فلان صاحب بديهة، أي يصيب الرأي في أول ما يفجأ به، و أصاب على البديهة أي من غير تفكير. و يقال:
هذا معلوم في بدائه الأمور، أي يفهم و يدرك من دون حاجة الى إعمال الروية و الفكر.
و البداهة في اصطلاحنا هي الوضوح التام الذي تتصف به المعرفة عند حصولها في الذهن ابتداء. و قد عرّفوها بقولهم: «هي المعرفة الحاصلة ابتداء في النفس لا بسبب الفكر» (كليات أبي البقاء).
و البديهي)Evident( هو الذي لا يتوقف حصوله في الذهن على نظر و كسب، سواء احتاج الى شيء آخر من حدس أو تجربة، أو غير ذلك، أو لم يحتج، (تعريفات الجرجاني)، و هو بهذا المعنى مرادف للضروري.
و لكن قد يراد بالبديهي ما لا يحتاج العقل في التصديق به الى شيء أصلا، فيكون أخصّ من الضروري لعدم شموله التصوّر.
لقد بيّن (ديكارت) أن البداهة معيار الحقيقة، و ان المعاني لا تكون بديهية الا إذا كانت واضحة و متميزة.
و مع أن البداهة التي يتكلم عليها (ديكارت) هي البداهة العقلية، لا البداهة الحسية، فإنّ شرط البداهة وحده لا يمكن أن يكون معيارا صادقا للحقيقة. هذا الذي أشار اليه (كانت) و (رينوفيه) بقولهما: ان هنالك بداهة شخصية خداعة و مضللة.
أ لا ترى أن المعاني التي تجزم ببداهتها هي المعاني الموافقة لميولنا و آرائنا و معتقداتنا؟ و نحن نفهمها بسهولة، و نمنحها قيمة موضوعية تامة من دون أن تكون مطابقة للحقيقة؟. فليس كل ما توجبه بديهة الانسان بصادق، بل كثير منها كاذب، انما الصادق بديهة العقل المؤيدة بالحس و التجربة.