المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ١٣١ - باب الألف
لغريزة في النفس جعلها فيه الالهام الالهي، و اذا تعرض لحدقته بالقذى بادر فأطبق جفنيه قبل فهم ما يعرض له، و ما ينبغي ان يفعل، كأنه غريزة لنفسه لا اختيار معه» (الشفاء، الفن السادس من الطبيعيات، طبعة براغ ١٩٥٦، ص ١٧٨). و قال أيضا: «و للحيوانات الأخرى، و خصوصا للطير، صناعات أيضا، فانها تصنع بيوتا و مساكن، لا سيما النحل، لكن ذلك ليس مما يصدر عن استنباط و قياس، بل عن إلهام و تسخير» (المصدر نفسه، ص ٢٠١).
و الإلهام أخص من الاعلام، لأن الاعلام قد يكون بطريق الكسب، و قد يكون بطريق التنبيه.
و الالهام ليس سببا يحصل به العلم لعامة الخلق و يصلح للبرهان و الالزام، و انما هو كشف باطني، أو حدس، يحصل به العلم للانسان في حق نفسه، قال (ابن سينا): «فيمكن أن يكون شخص من الناس مؤيد النفس بشدة الصفاء و شدة الاتصال بالمبادئ العقلية، الى أن يشتعل حدسا، أعني قبولا لإلهام العقل الفعال» (الشفاء ١- ٣٦١ و النجاة ٢٧٣).
فالإلهام عنده هو ما يلقيه العقل الفعال في نفس الانسان، و الحدس هو قبول هذا الالهام. و هذا المعنى قريب من المعنى الذي ذهب اليه (ابن خلدون) في قوله: «فاعتبر ذلك، و استمطر رحمة اللّه تعالى، متى أعوزك فهم المسائل، تشرق عليك أنواره بالالهام الى الصواب» (ابن خلدون. المقدمة ص ٣٠٨).
و الفرق بين الالهام و الوحي أن مصدر الالهام باطني، و مصدر الوحي خارجي. بل الالهام من الكشف المعنوي، و الوحي من الشهودي، لأنه إنما يحصل بشهود الملك و سماع كلامه، أما الالهام فيشرق على الانسان من غير واسطة ملك، و ذلك بالوجه الخاص الذي للحق مع كل موجود.
فالالهام أعم إذن من الوحي، لأن الوحي، مشروط بالتبليغ، و لا يشترط ذلك في الالهام.
و قد فرق (ابن سينا) بين الوحي و الالهام، فقال: «فمن ذلك معرفة كيفية نزول الوحي و الجواهر الروحانية التي تؤدي الوحي، و ان الوحي كيف يتأدى حتى يصير مبصرا أو مسموعا بعد روحانيته ...
و ان الأبرار الأتقياء كيف يكون