موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٩٧
وكان لهذا الذرّ عقل وشعور كاف للاستماع والخطاب والجواب ، فخاطب الله تعالى الذرّ قائلاً : { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ } ؟! فأجاب الذرّ جميعاً : { بَلَى شَهِدْنَا } .
ثمّ عاد هذا الذرّ أو هذه الذرّات جميعاً إلى صلب آدم أو إلى طينته ، ومن هنا فقد سمّي بهذا العالم بعالم الذرّ ، وهذا العهد بعهد { أَلَسْتَ } ؟ فبناء على ذلك ، فإنّ هذا العهد المشار إليه آنفاً هو عهد تشريعي ، ويقوم على أساس الوعي الذاتي بين الله والناس .
٢ـ إنّ المراد من هذا العالم وهذا العهد هو عالم الاستعداد والكفاءات ، وعهد الفطرة والتكوين والخلق ، فعند خروج أبناء آدم من أصلاب آبائهم إلى أرحام الأُمّهات ، وهم نطف لا تعدو الذرّات الصغار ، وهبهم الله الاستعداد لتقبّل الحقيقة التوحيدية ، وأودع ذلك السرّ الإلهي في ذاتهم وفطرتهم بصورة إحساس داخلي ، كما أودعه في عقولهم وأفكارهم بشكل حقيقة واعية بنفسها .
فبناء على هذا ، فإنّ جميع أبناء البشر يحملون روح التوحيد ، وما أخذه الله من عهد منهم أو سؤاله إيّاهم : { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ } ؟ كان بلسان التكوين والخلق ، وما أجابوه كان باللسان ذاته !
ومثل هذه التعابير غير قليلة في أحاديثنا اليومية ، إذ نقول مثلاً : لون الوجه يخبر عن سرّه الباطني { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم } [١] ، أو نقول : إنّ عيني فلان المجهدتين تنبئان أنّه لم ينم الليلة الماضية .
وقد روي عن بعض أدباء العرب وخطبائهم أنّه قال في بعض كلامه : سل الأرض من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وأينع ثمارك ؟ فإن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً ! كما ورد في القرآن الكريم التعبير على لسان الحال ، إذ جاء
[١] الفتح : ٢٩ .