موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢١٧
وربما يقال : إنّ قولـه : { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } خطاب للمعذورين دون عموم المؤمنين المخاطبين بالفرض والكتابة ، فإنّ ظاهرها رجحان فعل الصوم غير المانع من الترك ، فيناسب الاستحباب دون الوجوب ، ويحمل على رجحان الصوم واستحبابه على أصحاب الرخصة من المريض والمسافر ، فيستحبّ عليهم اختيار الصوم على الإفطار والقضاء .
ويرد عليه : عدم الدليل عليه أوّلاً ، واختلاف الجملتين ، أعني قولـه : { فَمَن كَانَ مِنكُم ... } ، وقولـه : { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } بالغيبة والخطاب ثانياً ، وأنّ الجملة الأُولى ليست مسوقة لبيان الترخيص والتخيير ، بل ظاهر قولـه : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } تعيّن الصوم في أيّام أُخر كما مرّ ثالثاً .
وأنّ الجملة الأُولى على تقدير ورودها لبيان الترخيص في حقّ المعذور لم يذكر الصوم والإفطار حتّى يكون قولـه : { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } بياناً لأحد طرفي التخيير ، بل إنّما ذكرت صوم شهر رمضان ، وصوم عدّة من أيّام أُخر ، وحينئذ لا سبيل إلى استفادة ترجيح صوم شهر رمضان على صوم غيره ، من مجرد قولـه : { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } من غير قرينة ظاهرة رابعاً .
وأنّ المقام ليس مقام بيان الحكم حتّى ينافي ظهور الرجحان كون الحكم وجوبياً ، بل المقام ـ كما مرّ سابقاً ـ مقام بيان ملاك التشريع ، وإنّ الحكم المشرّع لا يخلو عن المصلحة والخير والحسن ، كما في قولـه تعالى : { فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } [١] ، وقولـه تعالى : { فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } [٢] ، وقولـه تعالى : { تُؤْمِنُونَ باللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [٣] ، والآيات من ذلك كثيرة " [٤] .
[١] البقرة : ٥٤ . [٢] الجمعة : ٩ . [٣] الصف : ١١ . [٤] الميزان في تفسير القرآن ٢ / ١٤ .