موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٨١
للأشياء ، ومنها الإنسان ، هو أمر من الله يفيضه على الشيء ، ويلقيه إليه بكلمة { كُنْ } إفاضة دفعية ، وإلقاء غير تدريجي ، فلوجود هذه الأشياء وجهان ، وجه إلى الدنيا ، وحكمه أن يحصل بالخروج من القوّة إلى الفعل تدريجا ، ومن العدم إلى الوجود شيئاً فشيئاً ، ويظهر ناقصاً ثمّ لا يزال يتكامل حتّى يفني ويرجع إلى ربّه ، ووجه إلى الله سبحانه ، وهي بحسب هذا الوجه أُمور تدريجية ، وكُلّ ما لها فهو لها في أوّل وجودها ، من غير أن تحتمل قوّة تسوّقها إلى الفعل .
وهذا الوجه غير الوجه السابق ، وإن كانا وجهين لشيء واحد ، وحكمه غير حكمه ، وإن كان تصوّره التامّ يحتاج إلى لطف قريحة ، وقد شرحناه في الأبحاث السابقة بعض الشرح ، وسيجيء إن شاء الله استيفاء الكلام في شرحه .
ومقتضى هذه الآيات : أنّ للعالم الإنساني على ما لـه من السعة وجوداً جميعاً عند الله سبحانه ، وهو الذي يلي جهته تعالى ، ويفيضه على أفراده لا يغيب فيها بعضهم عن بعض ، ولا يغيبون فيه عن ربّهم ، ولا هو يغيب عنهم ، وكيف يغيب فعل عن فاعله ، أو ينقطع صنع عن صانعه ، وهذا هو الذي يسمّيه الله سبحانه بالملكوت ، ويقول : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } [١] ، ويشير إليه بقولـه : { كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } [٢] .
وأمّا هذا الوجه الدنيوي الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني ، وهو الذي يفرّق بين الآحاد ، ويشتّت الأحوال والأعمال بتوزيعها على قطعات الزمان ، وتطبيقها على مرّ الليالي والأيّام ، ويحجب الإنسان عن ربّه بصرف وجهه
[١] الأنعام : ٧٥ . [٢] ياسين : ٨٢ .