موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٤٠
بل إنّ الحوادث السلبية التي وقعت بعد ارتحال النبيّ (صلى الله عليه وآله) هي مسلّمة الوقوع عندنا ، لأنّ علمنا بها كانت بعد وقوعها ، ولكن تلك الحوادث لم تقع في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) فعلمه بها ـ بالعلم العادي والظاهري ـ لم يحصل بعد ، وإن كانت هذه الوقائع معلومة بالتفصيل عنده (صلى الله عليه وآله) بالعلم النبوي .
ويدلّ عليه ما جاء عنه (صلى الله عليه وآله) في وصيّته لعلي (عليه السلام) ، وإخباره عن مستقبل الأُمّة وحكّامها وغير ذلك ؛ وحتّى إنّ أمثال هذه الرواية المبحوث عنها في المقام ، خير دليل لإثبات علمه النبوي ، إذ يتحدّث هو (صلى الله عليه وآله) ويخبرهم بأنّ أمر الصحابة ـ بمجموعهم ـ لم يكن إلى خير ، خصوصاً أنّ في بعض الروايات التي وردت في هذا المجال لم تذكر عبارة : " إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك " ، بل جاء فيها قول النبيّ جازماً بحدوث الردّة في الصحابة ، بعبارة : " ولكنّكم أحدثتم بعدي ورجعتم ـ أو ارتددتم ـ على أعقابكم القهقري " [١] .
ثمّ إنّ هناك احتمال آخر في المقام وهو : أن يكون جوابه (صلى الله عليه وآله) جواباً تعريضيّاً واستنكاريّاً ـ أي يريد أن يلفت أنظار الجميع إلى ما أحدثه بعضهم بعد ارتحاله ـ وهذا النوع من البيان يكون أبلغ في إيصال المعنى ؛ وله نظائر حتّى في القرآن المجيد ، فمثلاً يخاطب الله تعالى عيسى (عليه السلام) يوم القيامة : { وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ... مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ... وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا توفّيتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [٢] .
وأيضاً جاء في قصّة إبراهيم (عليه السلام) أنّه قال : { قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِين فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي
[١] مسند أحمد ٣ / ١٨ و ٣٩ ، المستدرك ٤ / ٧٤ ، مسند أبي داود : ٢٩٥ ، كنز العمّال ١١ / ١٧٧ و ١٤ / ٤٣٤ . [٢] المائدة : ١١٦ ـ ١١٧ .