دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٨٣ - باب غزوة ذي قرد
(١)
أنا ابن الأكوع* * * و اليوم يوم الرضّع
فألحق برجل فأرميه، و هو على رحله فيقع سهمي في الرجل، حتى انتظمت كتفه، قلت: خذها و أنا ابن الأكوع، و اليوم يوم الرضع، فإذا كنت بالشجرة أحرقتهم بالنبل، و إذا تضايقت الثّنايا علوت الجبل فرددتهم بالحجارة، فما زال ذا شأني و شأنهم أتبعهم و أرتجز، حتى ما خلق اللّه شيئا من ظهر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) [١٣] إلا خلفته وراء ظهري [١٤] و استنفذته من أيديهم.
قال: ثم لم أزل [١٥] أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا و أكثر من ثلاثين بردة، يستخفّون [١٦] منها و لا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه الحجارة [١٧] و جمعته على طريق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، حتى إذا امتد الضحى أتاهم
[١٣] (حتى ما خلق اللّه من بعير من ظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)) من، هنا، زائدة. أتى بها لتأكيد العموم.
و إنما سميت زائدة لأن الكلام يستقيم بدونها فيصح أن يقال: ما خلق اللّه بعيرا. و من، في قوله: من ظهر، بيانية. و المعنى أنه ما زال بهم إلى أن استخلص منهم كل بعير أخذوه من إبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
[١٤] (إلا خلفته وراء ظهري) خلفته أي تركته، يريد أنه جعله في حوزته و حال بينهم و بينه.
[١٥] (ثم اتبعتهم) هكذا هو في أكثر النسخ: اتبعتهم. و في نسخة: أتبعتهم، بهمزة القطع. و هي أشبه بالكلام و أجود موقعا فيه. و ذلك أن تبع المجرد و اتّبع بمعنى مشى خلفه على الإطلاق.
و أما اتبع الرباعيّ فمعناه لحق به بعد أن سبقه. و منه قوله تعالى: فأتبعهم فرعون بجنوده، أي لحقهم مع جنوده بعد أن سبقوه. و تعبيره هنا بثم المفيدة للتراخي يشعر أنه بعد أن استخلص منهم جميع الإبل توقف على اتباعهم و لعل ذلك ريثما جمع الإبل و أقامها على طريق يأمن عليها فيه. و المعنى على هذا الوجه: و بعد أن توقفت عن اتباعهم حتى سبقوني، تبعتهم حتى لحقت بهم.
[١٦] (يستخفون) أي يطلبون بإلقائها الخفة ليكونوا أقدر على الفرار.
[١٧] (آراما من الحجارة) الآرام هي الأعلام. و هي حجارة تجمع و تنصب في المفازة ليهتدي بها.
واحدها إرم كعنب و أعناب.