دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٤٥ - باب ذكر إسلام عمرو بن العاص و ما ظهر له على لسان النجاشي و غيره من آثار صدق الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الرسالة
(١) اللّه قلبي عما كنت عليه، و قلت في نفسي: عرف هذا الحق العرب و العجم، و تخالف أنت! قلت: أتشهد أيها الملك بهذا قال: نعم أشهد به عند اللّه [تعالى] [٥]، يا عمرو فأطعني و اتبعه، فو اللّه إنه لعلى الحق، و ليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى (عليه السلام) على فرعون و جنوده، قلت: أفتيا يعني له على الإسلام، قال: نعم فبسط يده فبايعني على الإسلام ثم دعا بطست فغسل عني الدم، و كساني ثيابا و كانت ثيابي [قد] امتلأت الدم فألقيتها ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سرّوا بذلك، و قالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول أمره، و قلت أعود إليه. قالوا: الرأي ما رأيت.
ففارقتهم و كأني أعمد لحاجة، فعمدت إلى موضع السفن، فأجد سفينة قد شحنت تدفع فركبت معهم، و دفعوها حتى انتهوا إلى الشّعيبة [٦] و خرجت من السفينة و معي نفقة فابتعت بعيرا، و خرجت أريد المدينة، حتى خرجت على مرّ الظهران، ثم مضيت حتى إذا كنت بالهداة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريد أن منزلا و أحدهما داخل في خيمة، و الآخر قائم يمسك الراحلتين، نظرت فإذا خالد بن الوليد، فقلت: أبا سليمان؟ قال: نعم. قلت أين تريد؟ قال: محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، دخل الناس في الإسلام، فلم يبق أحد به طعم و اللّه لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها، قلت: و أنا و اللّه قد أردت محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أردت الإسلام. فخرج عثمان بن طلحة فرحّب بي فنزلنا جميعا في المنزل، ثم رافقنا حتى قدمنا المدينة، فما أنسى قول رجل لقينا ببئر أبي عنبة يصيح: يا رباح، يا رباح فتفاءلنا بقوله، و سرنا ثم نظر إلينا فاسمعه يقول قد أعطت مكّة المقادة بعد هذين! فظننت أنه يعنيني و يعني خالد بن الوليد، و ولى مدبرا إلى المسجد
[٥] من (ح).
[٦] (الشعيبة): على شاطئ البحر بطريق اليمن.