المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٤٦١
يعرفه أولو الألباب.
١٥٤ كَانَ سَبَبُ وِلَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْسِمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص اعْتَمَرَ وَ مَكَّةُ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، حِرْصاً عَلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَ الْمَشَاهِدِ لِسَوَابِغِ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، فَأَمْسَكَ (ص) فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنِ الْحَجِّ وَ مَكَّةُ فِي أَيْدِيهِمْ[١] لِتَدْبِيرِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي بَعْضُهُ أَمْرُ بَرَاءَةَ وَ كَانَتِ الْعَرَبُ تُنْسِئُ النَّسِيءَ، وَ مَعَ ذَلِكَ، أَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ كَانُوا يَتَعَايَشُونَ بِالتَّنَاهُبِ وَ التَّغَالُبِ وَ التَّحَارُبِ، فَكَانَتْ أَشْهُرُ الْحَرَامِ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْمُتَّصِلَةَ ذُو الْقَعْدَةِ، وَ ذُو الْحِجَّةِ، وَ الْمُحَرَّمُ، فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ، فَوَلَّدُوا بِآرَائِهِمْ حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى الْمُحَرَّمِ فِي السَّنَةِ بَعْدَ السَّنَةِ أَلْغَوْهُ، وَ سَمَّوْهُ صَفَراً، ثُمَّ بَعْدَ صَفَرٍ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَ مَضَوْا عَلَى ذَلِكَ، وَ تَطَاوَلَتِ الْمُدَّةُ، وَ تَفَانَتِ الْقُرُونُ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ، وَ لَمْ يَدْرُوا فِي أَيِّ شَهْرٍ هُمْ لِلنَّسِيءِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ- إِلَى قَوْلِهِ-:
زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[٢] فَصَارَ حَجُّهُمْ مَجْهُولَ الْوَقْتِ، لَا يَدْرُونَ إِذَا حَجُّوا فِي أَيَّامِ الْحَجِّ حَجُّوا أَمْ فِي غَيْرِهَا؟! ثُمَّ وُلِدَ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ أَنْ يَقِفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَ لَا يَمْضِيَ إِلَى عَرَفَةَ، فَفَسَدَ بِذَلِكَ حَجُّهُمْ، وَ كَانَتْ حَجُّهُمْ فِي الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا:
[١].- و في« ش»: في يده.
[٢].- سورة التّوبة، الآية: ٣٦.