المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٢٤٩
______________________________
عَلَيْنَا،
فَجَلَسَ مَعَنَا وَ قَالَ: سَلَا تُخْبَرَا، قُلْنَا: نُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَنَا
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَحْسَدِ قُرَيْشٍ الَّذِي لَمْ يَأْمَنْ ثِيَابَنَا
عَلَى ذِكْرِهِ لَنَا، فَقَالَ: سَأَلْتُمَا عَنْ مُعْضِلَةٍ؛ وَ سَأُخْبِرُكُمَا
فَلْيَكُنْ عِنْدَكُمَا فِي ذِمَّةٍ مَنِيعَةٍ وَ حِرْزٍ مَا بَقِيتُ، فَإِذَا
مِتُّ فَشَأْنَكُمَا وَ مَا شِئْتُمَا مِنْ إِظْهَارٍ أَوْ كِتْمَانٍ.
قُلْنَا: فَإِنْ لَكَ عِنْدَنَا ذَلِكَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: وَ أَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: مَا يُرِيدُ إِلَّا الَّذِينَ كَرِهُوا اسْتِخْلَافَ أَبِي بَكْرٍ لَهُ كَطَلْحَةَ وَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: أَ تَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا فَظّاً غَلِيظاً؟! وَ إِذَا هُوَ يَذْهَبُ إِلَى غَيْرِ مَا فِي نَفْسِي، فَعَادَ إِلَى التَّنَفُّسِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَرَيَانِهِ؟ قُلْنَا: وَ اللَّهِ مَا نَدْرِي إِلَّا ظَنّاً! قَالَ: وَ مَنْ تَظُنَّانِ؟ قُلْنَا: عَسَاكَ تُرِيدُ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَرَادُوا أَبَا بَكْرٍ عَلَى صَرْفِ هَذَا الْأَمْرِ عَنْكَ، قَالَ: كَلَّا وَ اللَّهِ! بَلْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعَقَّ، وَ هُوَ الَّذِي سَأَلْتُمَا عَنْهُ، كَانَ وَ اللَّهِ أَحْسَدَ قُرَيْشٍ كُلِّهَا. ثُمَّ أَطْرَقَ طَوِيلًا، فَنَظَرَ الْمُغِيرَةُ إِلَيَّ وَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَ أَطْرَقْنَا مَلِيّاً لِإِطْرَاقِهِ وَ طَالَ السُّكُوتُ مِنَّا وَ مِنْهُ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا بَدَا مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: وَ الَهْفَاهْ عَلَى ضَئِيلِ بَنِى تَيْمِ بْنِ مِرَّةَ! لَقَدْ تَقَدَّمَنِى ظَالِماً، وَ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْهَا آثِماً، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَمَّا تَقَدُّمُهُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظَالِماً فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، كَيْفَ خَرَجَ إِلَيْكَ مِنْهَا آثِماً؟ قَالَ: ذَاكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَي مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ يَأْسٍ مِنْهَا أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ أَطَعْتُ يَزِيدَ بْنَ الْخَطَّابِ وَ أَصْحَابَهُ لَمْ يَتَلَمَّظْ مِنْ حَلَاوَتِهَا بِشَىْءٍ أَبَداً، وَ لَكِنِّى قَدَّمْتُ وَ أَخَّرْتُ، وَ صَعِدْتُ وَ صَوَّبْتُ، وَ نَقَضْتُ وَ أَبْرَمْتُ، فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا الْإِغْضَاءَ عَلَى مَا نَشِبَ بِهِ مِنْهَا، وَ التَّلَهُّفَ عَلَى نَفْسِي، وَ أَمَّلْتُ إِنَابَتَهُ وَ رُجُوعَهُ، فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَ حَتَّى نَغَزَ بِهَا بَشَماً.
قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَمَا مَنَعَكَ مِنْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ قَدْ عَرَضَكَ لَهَا يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِدُعَائِكَ إِلَيْهَا! ثُمَّ أَنْتَ الْآنَ تَنْقِمُ وَ تَتَأَسَّفُ؟ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُغِيرَةُ! إِنِّي كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ غَائِباً عَمَّا هُنَاكَ! إِنَّ الرَّجُلَ مَاكَرَنِي فَمَاكَرْتُهُ، وَ أَلْفَانِي أَحْذَرَ مِنْ قَطَاةٍ؛.