المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٤١٢
النَّبِيُّ (ص) قَدْ أَمَّرَهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَ قَدْ كَانَ أَمَرَ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشَ أُسَامَةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قَدْ تَخَلَّفَ وَ طَمِعَ فِي الْإِمَارَةِ، وَ رَأَيْتُ انْثِيَالَ النَّاسِ عَلَيْهِ أَمْسَكْتُ يَدِي، وَ رَأَيْتُ أَنِّي أَحَقُّ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ (ص) فِي النَّاسِ مِمَّنْ قَدْ رَفَضَ نَفْسَهُ، فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةً مِنَ النَّاسِ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَ أَظْهَرَتْ ذَلِكَ يَدْعُونَ إِلَى مَحْوِ دِينِ اللَّهِ، وَ تَغْيِيرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ (ص) فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ قَعَدْتُ، أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً وَ هَدْماً، تَكُونُ مُصِيبَتُهُ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَةِ أُمُورِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، ثُمَّ يَزُولُ مَا كَانَ مِنْهَا كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، وَ يَنْقَشِعُ كَمَا يَنْقَشِعُ السَّحَابُ؛ وَ رَأَيْتُ النَّاسَ قَدِ امْتَنَعُوا بِقُعُودِي عَنِ الْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَمَشَيْتُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَتَأَلَّفْتُهُ، وَ لَوْ لَا أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ لَبَادَ الْإِسْلَامُ، ثُمَّ نَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى أَنَاخَ الْبَاطِلُ، وَ كَانَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا ... وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* ثُمَّ إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، لَمَّا رَأَى النَّاسَ يُبَايِعُونَ أَبَا بَكْرٍ، نَادَى: وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُهَا حَتَّى صَرَفْتُ عَنْ عَلِيٍّ، وَ لَا أُبَايِعُكُمْ أَبَداً حَتَّى يُبَايِعَكُمْ عَلِيٌّ، وَ لَعَلِّي لَا أَفْعَلُ وَ إِنْ بَايَعَ، وَ أَحْبَبْتُ أَنْ أَقْطَعَ قَوْلَ سَعْدٍ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَ أَتَى حَوْرَانَ[١]، وَ أَقَامَ فِي غَسَّانَ حَتَّى هَلَكَ، وَ أَبَى أَنْ يُبَايِعَ.
[١].- حوران: ماء بنجد، قال نصر: أظنّه بين اليمامة و مكّة. و حوران بالفتح كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة و مزارع و حرار، و فتحت. حوران قبل دمشق، انظر معجم البلدان للحموي ج ٢ ص ٣١٧.