المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٤٣٦
فليتأمّل المتأمّلون حال أبي بكر، و ليمعنوا النّظر، فإنّهم سيقفون على ذكر السّكينة في الغار بين جميع ما أنزل اللّه تعالى في كتابه مفردا لرسول اللّه ص ليس لصاحبه فيها حظّ، و أنّه جلّ ذكره، قال:
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها[١] فأفرد اللّه رسوله بالسّكينة، و خصّه بالوقار و الطّمأنينة دون صاحبه، و إن ضرب الأنك بآذانهم[٢].
و ذهبوا إلى عوج التّأويل و زيغ التّفسير، و إلى ما يأبى الحقّ إلّا إقامته، و اللّغة إلّا إظهاره، فقالوا: إنّما نزلت السّكينة على أبي بكر دون رسول اللّه، إذ كان رسول اللّه مستغنيا عنها، و أبو بكر محتاجا إليها احتججنا عليهم بما لا يقدرون على دفعه، و عرّفناهم خطأ ما تأوّلوه، فإنّ الغار قبل كلّ موطن ذكرت فيه السّكينة، و قد سمعنا اللّه تعالى يقول:
وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ[٣]، و هي أيّام حروب النّبيّ ص ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، و لو كانت لا تنزل عليه إلّا عن فقر و فاقة لكان مستغنيا عنها يوم حنين[٤]، و حاجته إليها في الغار أشدّ حاجة،
[١].- سورة التّوبة، الآية: ٤٠.
[٢].- هذا هو الصّحيح، كما في نسخة« ح»، و الآنك: الأسرب و هو الرّصاص القلعيّ، أنظر لسان العرب ج ١٠ ص ٣٩٤، مادّة: أنك. و ما في النّسخة« فان ضرب الابوان بأذناهم» سهو قلم أو خطأ مطبعيّ، و في« ش»، الأبون، تحريف و لا معنى له.
[٣].- سورة البرائة، الآية: ٢٥.
[٤].- و في« ح»: و هي أيّام حروب.