المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٦٨٧
رَاعٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ لِي عَلَيْكَ وَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقّاً، فَمَنْ حَفِظَهُ فَقَدْ
______________________________
عَلَى
قَوْمِكُمْ بَجَحاً بَجَحاً، فَاخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لِأَنْفُسِهَا فَأَصَابَتْ وَ
وُفِّقَتْ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ تَأْذَنْ لِي فِي
الْكَلَامِ، وَ تَمُطَّ عَنِّي الْغَضَبَ تَكَلَّمْتُ. فَقَالَ: تَكَلَّمْ يَا
ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَمَ قَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: اخْتَارَتْ
قُرَيْشٌ لِأَنْفُسِهَا فَأَصَابَتْ وَ وُفِّقَتْ، فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشاً
اخْتَارَتْ لِأَنْفُسِهَا حَيْثُ اخْتَارَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا لَكَانَ
الصَّوَابُ بِيَدِهَا غَيْرَ مَرْدُودٍ وَ لَا مَحْسُودٍ. وَ أَمَّا قَوْلُكَ:
إِنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ تَكُونَ لَنَا النُّبُوَّةُ وَ الْخِلَافَةُ، فَإِنَّ
اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَصَفَ قَوْماً بِالْكَرَاهِيَةِ فَقَالَ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ فَقَالَ عُمَرُ:
هَيْهَاتَ وَ اللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! قَدْ كَانَتْ تَبْلُغُنِي عَنْكَ
أَشْيَاءٌ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ أُفِرَّكَ عَنْهَا، فَتُزِيلَ مَنْزِلَتَكَ
مِنِّي؛ فَقُلْتُ: وَ مَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَإِنْ كَانَتْ حَقّاً
فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُزِيلَ مَنْزِلَتِي مِنْكَ، وَ إِنْ كَانَتْ بَاطِلًا
فَمِثْلِي أَمَاطَ الْبَاطِلَ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ
تَقُولُ: إِنَّمَا صَرَفُوهَا عَنَّا حَسَداً وَ ظُلْماً! فَقُلْتُ: أَمَّا
قَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: ظُلْماً؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ لِلْجَاهِلِ وَ
الْحَلِيمِ، وَ أَمَّا قَوْلُكَ: حَسَداً، فَإِنَّ إِبْلِيسَ حَسَدَ آدَمَ؛
فَنَحْنُ وُلْدُهُ الْمَحْسُودُونَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: هَيْهَاتَ! أَبَتْ وَ اللَّهِ
قُلُوبُكُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا حَسَداً مَا يَحُولُ، وَ ضِغْناً وَ غِشّاً
مَا يَزُولُ. فَقُلْتُ: مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لَا تَصِفُ قُلُوبُ
قَوْمٍ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً
بِالْحَسَدِ وَ الْغِشِّ، فَإِنَّ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَ سَلَّمَ مِنْ قُلُوبِ بَنِي هَاشِمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا
ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَفْعَلُ؛ فَلَمَّا ذَهَبْتُ لِأَقُومَ اسْتَحْيَا
مِنِّي فَقَالَ: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، مَكَانَكَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَرَاعٍ
لِحَقِّكَ، مُحِبٌّ لِمَا سَرَّكَ؛ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ
لِي عَلَيْكَ حَقّاً وَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ؛ فَمَنْ حَفِظَهُ فَحَظَّهُ أَصَابَ،
وَ مَنْ أَضَاعَهُ فَحَظَّهُ أَخْطَأَ. ثُمَّ قَامَ فَمَضَى.
وَ ذَكَرَ أَيْضاً ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ ج ٣، ص ٦٢. عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَ مِنَ التَّارِيخِ.