المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٥٨٣
و الإمام يشرح من بعده للأمّة ما يختلفون فيه، و لو لا أنّ في وسع النّاس قبول الإرشاد، و ضبط التلقين لكانوا هملا و لسقط عنهم الأمر و النّهي، و لو أنّ النّاس لم يكونوا مطبوعين على تلقّي العلم من المؤدّبين، و لم يكن لإدراك الحواس من أثر ما كان بينهم و بين البهائم فرق، و إذا كان الجهل بالمصالح و غلبة الطّباع و شره الشّهوات على النّاس غير مأمون، فلا بدّ لهم في كلّ دهر من قيّم عليم و معرّف حكيم لإقامتهم على مصالحهم الّتي لا تبلغها عقولهم، و [أمّا] الإمام فلا يجوز أن يكون محتاجا إلى غيره، و لا مضطرّا إلى من يقيم أَوَدَهُ و إذا كان ناقصا كان كمن حكم بتلك الأحكام الّتي قد شرحناها من قبل، و كمن
أُتِيَ بِامْرَأَةٍ حُبْلَى مِنْ غَيْرِ زَوْجِهَا فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا وَ رَجْمِ مَا فِي بَطْنِهَا! حَتَّى قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): هَذِهِ قَدْ ظَهَرَ جُرْمُهَا، فَمَا جُرْمُ مَا فِي بَطْنِهَا؟! فَقَالَ: لَوْ لَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ.
و قد يجب على الأمّة أن تعلم أنّ النّاقص لا يجوز أن يكون إماما بعد الرّسول لأنّ اللّه قد إختار خيرة من خلقه، و اصطفى صفوة من عباده فأرسل الرّسول، و جعله خير خلقه و فرض الفرائض و أقام الإمام على هديه و لم يكن ليهملهم، روى ذلك رواتهم و فقهائهم:
٢٥٤ فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَسَدِيُ[١] وَ مُحْرِزُ بْنُ هِشَامٍ
[١].- هو: عبّاد بن يعقوب الأسديّ الرّواجنيّ أبو سعيد الكوفيّ، الشّيعيّ المتوفّى( ٢٥٠).
انظر تهذيب الكمال ج ١٤ ص ١٧٥، و معجم رجال الحديث ج ٩ ص ٢١٨، ط بيروت.