المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٤٣٩
النّبيّ ص له: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، أغلظ عليه من كثير ممّا ذكرنا لأنّ النّبيّ لا ينهى عن الخير، و لو كان حزنه بخير، و هو مع رسول اللّه ص في الغار لم ينهه، و لكن لسوء ظنّه باللّه و برسوله، و لقلّة إحتفاله بما أنبأه[١] به الرّسول، و لما أدركه من قلّة اليقين، و ضعف القلب قدر أن يكون الرّسول في قبضة المشركين فإنّ الحزن مع رسول اللّه برىء من الإيمان، إذ كان داعيا إلى الشّك، و هذه نقيصة شديدة، و قد عدّوها فضيلة!، و لو أمسكوا عن ذكرها لأمسكنا عن شرحها، و اللّه بالغ أمره.
و أمّا قولكم: إنّه صدّيق، فإنّا وجدنا هذا الإسم في كتاب اللّه للمسلمين عامّة، لم نجد له فيها خاصّة دونهم، و ذلك قوله تعالى:
وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ[٢] و كلّ المسلمين يؤمنون باللّه و رسله و هم صدّيقون، فلم تثبت له بهذا الإسم فضيلة هذا.
و إنّا لمّا فرغنا من قصّة الغار[٣]، سألونا عن شرح
قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص
[١].- و في« ش»: أتاه.
[٢].- سورة الحديد الآية: ١٩.
[٣].- أَقُولُ: فَثَبَتَ أَنَّ عَلِيّاً عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ بِنَفْسِهِ وَ بَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ لَيْلَةَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ وَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحَاوِلُونَ إِيقَاعَ الْمَكْرُوهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ فَوَقَاهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَفْسِهِ وَ تَعَرَّضَ لِلْهَلَاكِ دُونَهُ وَ هَذِهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ الْبَالِغَةُ وَ النَّصِيحَةُ التَّامَّةُ.
وَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَثْبَتُ خَلْقِ اللَّهِ جَأْشاً عِنْدَ الْفَزَعِ، وَ هَذَا مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ بُرْهَانٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَاتَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْلَةٍ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى فِرَاشِهِ لِيُعَمِّيَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ فِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ( سورة البقرة/ ٢٠٧). كما في كفاية الطّالب ص ١١٥ و ينابيع المودّة ١٠٥.
و قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام: أوّل من شرى نفسه للّه عزّ و جلّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.
كان المشركون يطلبون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقام عن فراشه فانطلق هو و أبو بكر، و اضطجع عليّ عليه السّلام على فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مكانه، فقصّة الغار أثبتت الفضل و هو لمن بات على فراشه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دون غيره.
قال ابن عبّاس: أنشدني أميرُ المؤمنين شعرا قاله في تلك اللّيلة:
\sُ وَقَيْتُ بِنَفْسِي خَيْرَ مَن وَطِئَ الْحَصَا\z وَ أَكْرَمَ خَلْقٍ طَافَ بِالْبَيْتِ وَ الْحِجْرِ\z وَ بِتُّ أُرَاعِي مِنْهُمُ مَا يَسُوءُنِي\z وَ قَدْ صَبَرَتْ نَفْسِي عَلَى الْقَتْلِ وَ الْأَسْرِ\z وَ بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْغَارِ آمِناً\z وَ مَا زَالَ فِي حِفْظِ الْإِلَهِ وَ فِي السِّتْرِ.\z\E انظر الغدير ج ٢ ص ٤٨، و ج ٨، ص ٤١. و تذكرة الخواص لسبط إبن الجوزي ص ٤٠.
و بحار الأنوار ج ١٩ ص ٢٨. و تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٣٣. و الطّرائف للسيّد ابن طاوس ص ٤٠٧. و الشّافي للسيّد المرتضى ج ٤ ص ٢٥. و دلائل الصّدق للشّيخ محمّد حسن المظفّر ج ٢ ص ٤٠٤. و اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي ج ١ ص ١٣٠.
و قال الصّاحب ابن عبّاد:
\sُ قَالَتْ: فَمَنْ بَاتَ مِنْ فَوْقِ الْفِرَاشِ فَدًى\z فَقُلْتُ: أَثْبَتُ خَلْقِ اللَّهِ فِي الْوَهَلِ\z\E.