المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٢٥٢
مِنْهَا آثِماً، فَقِيلَ لَهُ[١] تَقَدَّمَكَ ظَالِماً قَدْ عَرَفْنَا، فَكَيْفَ خَرَجَ إِلَيْكَ مِنْهَا آثِماً؟ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيَّ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ يَأْسٍ مِنْهَا، أَمَ وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ أَطَعْتَ زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ مَا تَلَمَّظَ مِنْ حَلَاوَتِهَا بِشَيْءٍ أَبَداً[٢]، وَ لَكِنِّي قَدَّمْتُ وَ أَخَّرْتُ وَ صَعِدْتُ، وَ صَوَّبْتُ وَ نَقَضْتُ وَ أَبْرَمْتُ، فَلَمْ أَجِدْ بُدّاً مِنَ الْإِغْضَاءِ لَهُ عَلَى مَا نَشِبْتُ مِنْهُ فِيهَا، وَ لَمْ تُجِبْنِي نَفْسِي عَلَى ذَلِكَ وَ أَمَّلْتُ[٣] إِنَابَتَهُ وَ رُجُوعَهُ فَوَ اللَّهِ مَا فَعَلَ حَتَّى أَثْغَرَ بِهَا نَفْساً[٤]؛ فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: فَمَا مَنَعَكَ مِنْهَا وَ قَدْ عَرَضَهَا عَلَيْكَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِدُعَائِهِ إِيَّاكَ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَنْتَ الْآنَ مُتَعَقِّبٌ بِالتَّأَسُّفِ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُغِيرَةُ، إِنِّي كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ!، كَأَنَّكَ كُنْتَ غَائِباً عَمَّا هُنَاكَ، إِنَّ الرَّجُلَ مَاكَرَنِي فَمَاكَرْتُهُ[٥] فَأَلْفَانِي أَحْذَرَ مِنْ قَطَاةٍ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى شَغَفَ النَّاسِ بِهِ، وَ إِقْبَالَهُمْ بِوُجُوهِهِمْ عَلَيْهِ أَيْقَنَ أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِهِ بَدَلًا، فَأَحَبَّ مَعَ مَا أَرَى مِنْ شُخُوصِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَ شَغَفِهِمْ بِهِ[٦] أَنْ يَعْلَمَ مَا عِنْدِي، وَ هَلْ تُنَازِعُنِي إِلَيْهَا نَفْسِي بِإِطْمَاعِي فِيهَا وَ التَّعْرِيضِ لِي بِهَا، وَ قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي لَوْ قَبِلْتُ مَا عَرَضَ عَلَيَّ لَمْ يُجِبِ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، وَ كَانَ أَشَدَّ
[١].- و في« ح»: فقلنا له. و القائل هو المغيرة.
[٢].- و في« ح»: ما تلمّظ منها بشيء من حلاوتها أبدا.
[٣].- و في« ح»: و أقلّت.
[٤].- للثغر معان عديدة، فراجع لسان العرب ج ٤، ص ١٠٣، لغة ثغر.
[٥].- و في الشّافي: كادني فكدته.
[٦].- و في الشّافي و شرح النّهج: من حرص النّاس عليه و ميلهم إليه.