المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٢٥٠
______________________________
إِنَّهُ
لَمَّا رَأَى شَغَفَ النَّاسِ بِهِ، وَ إِقْبَالَهُمْ بِوُجُوهِهِمْ عَلَيْهِ،
أَيْقَنَ أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِهِ بَدَلًا، فَأَحَبَّ لِمَا رَأَى مِنْ
حِرْصِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَ مَيْلِهِمْ إِلَيْهِ، أَنْ يَعْلَمَ مَا عِنْدِي، وَ
هَلْ تُنَازِعُنِي نَفْسِي إِلَيْهَا! وَ أَحَبَّ أَنْ يَبْلِوَنِي بِإِطْمَاعِي
فِيهَا، وَ التَّعْرِيضِ لِي بِهَا، وَ قَدْ عَلِمَ وَ عَلِمْتُ لَوْ قَبِلْتُ مَا
عَرَضَهُ عَلَيَّ لَمْ يَجِبِ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَلْفَانِي قَائِماً عَلَى
أَخْمُصِى مُسْتَوْفِزاً حَذِراً وَ لَوْ أَجَبْتُهُ إِلَى قَبُولِهَا لَمْ
يُسَلِّمِ النَّاسُ إِلَيَّ ذَلِكَ، وَ اخْتَبَأَهَا ضِغْناً عَلَيَّ فِي
قَلْبِهِ، وَ لَمْ آمَنْ غَائِلَتَهُ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ: مَعَ مَا بَدَا لى
مِنْ كَرَاهَةِ النَّاسِ لِي: أَمَا سَمِعْتَ نِدَاءَهُمْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ
عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَيَّ: لَا نُرِيدُ سِوَاكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَنْتَ لَهَا!
فَرَدَدْتُهَا إِلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ الْتَمَعَ وَجْهُهُ
لِذَلِكَ سُرُوراً. وَ لَقَدْ عَاتَبَنِي مَرَّةً عَلَى كَلَامٍ بَلَغَهُ عَنِّي،
وَ ذَلِكَ لَمَّا قُدِّمَ عَلَيْهِ بِالْأَشْعَثِ أَسِيراً، فَمَنَّ عَلَيْهِ وَ
أَطْلَقَهُ، وَ زَوَّجَهُ أُخْتَهُ أُمَّ فَرْوَةَ، فَقُلْتُ لِلْأَشْعَثِ وَ هُوَ
قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ:
يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَ كَفَرْتَ بَعْدَ إِسْلَامِكَ، وَ ارْتَدَدْتَ نَاكِصاً عَلَى عَقِبَيْكَ! فَنَظَرَ إِلَيَّ عَلِمْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَنِى بِكَلَامٍ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ لَقِيَنِى بَعْدَ ذَلِكَ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ صَاحِبُ الْكَلَامِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؛ وَ لَكَ عِنْدِى شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِئْسَ الْجَزَاءُ هَذَا لِي مِنْكَ! قُلْتُ: وَ عَلَامَ تُرِيدُ مِنِّي حُسْنَ الْجَزَاءِ؟ قَالَ: لِأَنَفَتِي لَكَ مِنْ اتِّبَاعِ هَذَا الرَّجُلِ وَ اللَّهِ مَا جَرَّأَنِي عَلَى الْخِلَافِ عَلَيْهِ إِلَّا تَقَدُّمُهُ عَلَيْكَ، وَ تَخَلُّفُكَ عَنْهَا، وَ لَوْ كُنْتَ صَاحِبَهَا لَمَا رَأَيْتَ مِنًى خِلَافاً عَلَيْكَ. قُلْتُ: لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَمَا تَأْمُرُ الْآنَ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ أَمْرٍ، بَلْ وَقْتُ صَبْرٍ، وَ مَضَى وَ مَضَيْتُ. وَ لَقِيَ الْأَشْعَثُ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ فَذَكَرَ لَهُ مَا جَرَى بَيْنِي وَ بَيْنَهُ، فَنَقَلَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ بِعِتَابٍ مُؤْلِمٍ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ: أَمَا وَ اللَّهِ لَتَكُفَّنَّ أَوْ لَأَقُولَنَّ كَلِمَةً بَالِغَةً بِي وَ بِكَ فِي النَّاسِ، تَحْمِلُهَا الرُّكْبَانُ حَيْثُ سَارُوا وَ إِنْ شِئْتَ اسْتَدَمْنَا مَا نَحْنُ فِيهِ عَفْواً، فَقَالَ: بَلْ نَسْتَدِيمُهُ، وَ إِنَّهَا لَصَائِرَةٌ إِلَيْكَ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا.