المسترشد في إمامة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب - الطبري الشيعي، محمد بن جرير - الصفحة ٢٤٨
______________________________
ثُمَّ
نَظَرَ الْمُغِيرَةُ إِلَيَّ وَ تَبَسَّمَ، فَرَمَقَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: مِمَّ
تَبَسَّمْتَ أَيُّهَا الْعَبْدُ؟! فَقَالَ: مِنْ حَدِيثٍ كُنْتُ أَنَا وَ أَبُو
مُوسَى فِيهِ آنِفاً فِي طَرِيقِنَا إِلَيْكَ، قَالَ: وَ مَا ذَاكَ الْحَدِيثُ؟
فَقَصَصْنَا عَلَيْهِ الْخَبَرَ حَتَّى بَلَغْنَا ذِكْرَ حَسَدِ قُرَيْشٍ، وَ
ذِكْرَ مَنْ أَرَادَ صَرْفَ أَبِي بَكْرٍ عَنِ اسْتِخْلَافِ عُمَرَ، فَتَنَفَّسَ
الصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُغِيرَةَ! وَ مَا تِسْعَةُ
أَعْشَارِ الْحَسَدِ! بَلْ وَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعُشْرِ، وَ فِي النَّاسِ
كُلِّهِمْ عُشْرُ الْعُشْرِ، بَلْ وَ قُرَيْشٌ شُرَكَاؤُهُمْ أَيْضاً فِيهِ! وَ
سَكَتَ مَلِيّاً وَ هُوَ يَتَهَادَى بَيْنَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَ لَا أُخْبِرُكُمَا
بِأَحْسَدِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا؟ قُلْنَا: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ:
وَ عَلَيْكُمَا ثِيَابُكُمَا، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: وَ كَيْفَ بِذَلِكَ وَ
أَنْتُمَا مُلَبَّسَانِ ثِيَابَكُمَا؟ قُلْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا
بَالُ الثِّيَابِ؟ قَالَ: خَوْفُ الْإِذَاعَةِ مِنْهَا قُلْنَا لَهُ: أَ تَخَافُ
الْإِذَاعَةَ مِنَ الثِّيَابِ أَنْتَ وَ أَنْتَ مِنْ مُلَبَّسِ الثِّيَابِ
أَخْوَفُ! وَ مَا الثِّيَابَ أَرَدْتُ؟ قَالَ: هُوَ ذَاكَ.
ثُمَّ انْطَلَقَ وَ انْطَلَقْنَا مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَحْلِهِ فَخَلَا أَيْدِيَنَا مِنْ يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: لَا تَرِيمَا وَ دَخَلَ فَقُلْتُ لِلْمُغِيرَةِ لَا أَبَا لَكَ! لَقَدْ آثَرَنَا بِكَلَامِنَا مَعَهُ، وَ مَا كُنَّا فِيهِ وَ مَا نَرَاهُ حَبَسَنَا إِلَّا لِيُذَاكِرَنَا إِيَّاهَا قَالَ: فَإِنَّا لَكَذَلِكَ إِذْ أَخْرَجَ آذِنَهُ إِلَيْنَا، فَقَالَ: ادْخُلَا، فَدَخَلْنَا فَوَجَدْنَاهُ مُسْتَلْقِياً عَلَى بُرْذُعَةٍ بِرَحْلٍ، فَلَمَّا رَآنَا تَمَثَّلَ بِقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
|
لَا تُفْشِ سَرَّكَ إِلَّا عِنْدَ ذِي ثِقَةٍ |
أَوْلَى وَ أَفْضَلَ مَا اسْتُودِعْتَ أَسْرَاراً |
|
|
صَدْراً رَحِيباً وَ قَلْباً وَاسِعاً قَمِناً |
أَلَّا تَخَافَ مَتَى أَوْدَعْتَ إِظْهَاراً |
|
فَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ نَضْمَنَ لَهُ كِتْمَانَ حَدِيثِهِ، فَقُلْتُ أَنَا لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْزَمْنَا وَ خُصَّنَا وَ صِلْنَا، قَالَ: بِمَا ذَا يَا أَخَا الْأَشْعَرِيَّيْنِ؟ فَقُلْتُ بِإِفْشَاءِ سِرِّكَ فِي هِمَّتِكَ فَنِعْمَ الْمُسْتَشَارَانِ نَحْنُ لَكَ. قَالَ: إِنَّكُمَا كَذَلِكَ، فَاسْأَلَا عَمَّا بَدَا لَكُمَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْبَابِ لِيُغْلِقَهُ، فَإِذَا الْآذِنُ الَّذِي أَذِنَ لَنَا عَلَيْهِ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ: امْضِ عَنَّا لَا أُمَّ لَكَ: فَخَرَجَ وَ أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ.